الرئيسية » » مثل قدح قهوة وأكثر . | نهى محمود

مثل قدح قهوة وأكثر . | نهى محمود

Written By Hesham Alsabahi on الأربعاء، 1 أكتوبر، 2014 | 4:45 ص

 

 

 

.

أكثر من كاتب سخر من تشابه الطقوس التي تكتب عنها النساء ، قال أحدهم بالحرف الواحد " لن تفتح كتاب لكاتبة ولن تجد فيه ضوء الشموع

وطقوس الإستحمام وقدح قهوتي "، تكتب النساء ربما عن فنجان القهوة السادة الذي يشبه – حتما ستجد الكاتبة شيئا تلضمه في نهاية السطر – أو النقوش التي يتركها البن في فنجاني متشابكة وسريالية مثل علاقتي بك ، وأنت الرجل الذي يمنح فنجان قهوتي الصباحي عبق الحبهان المميز .

أو مقعدي في المقهى او على البحر أو في الشرفة يتشمم عبق قهوتي التي تشبه وحدتي ...

ابتسم الآن لأني من الممكن أن أتمادي في كتابة التشبيهات حتى تمتلأ الورقة وأتوقف عن الكتابة ولا أكون كتبت ما أردته ..

حسنا أردت أن أكتب عن شوقي لفنجان القهوة ، في الحقيقة أنا ممنوعة من القهوة طيلة شهور طويلة قادمة بأمر الطبيبة ..  

الكتّاب الذكور الذين يسخرون من وجود القهوة كمفردة سخيفة مكررة داخل كتابة النساء لا يعرفوا  شيئا عن الغواية ، ولا الشغف بفنجان قهوة في مكان محبب لإمرأة كأنه لقاء مع حبيب ، شغف رائحة البن وملمسه وطقوسه ، حتى أمينة في أدب نجيب محفوظ كان لها جلستها وميعاد لقهوة تجمع حولها البيت للسمر .

القهوة طقس للحرية لدى النساء ، مزاجا خالصا من الدلال ، هوى وعشق .

ليس مجرد تيمة مشتركة ولعبة تستدعى سخرية الرجل الذي سيقف طيلة حياته منذ اخترعه الله على بوابة عالم المرأة ولا يفهم حقا شيئا من هذا العالم .

القهوة تشبه الرغبة . متأججة وملحة وباقية في الروح ... وسعادتها مؤقتة ودائمة .

يقول لي أبي " انك شربت بحر من القهوة ، ويمكنك ان تصمدي شهور بدونها لأن لديك مخزون " ابتسم واخبره أن من يشرب بحرا من القهوة يصبح مدمنا ، وليس لديه مخزون .

في الصباح أقف امام عدة القهوة ، وأتحسسها دون أن اقترب أكثر ..

اربت على بطني برفق ، ابتسم للصغير الذي لم يستقر بعد   وأتمتم بكلمات تشبه " أنت تعمل معايا كده ! " 

الصغير الذي لم يستقر بعد ، لكني أشعر بتشبثه السحري في روحي .. سحري اكثر من أية مرة شعرت بالسحر .

اكثر من خفقة قلب لرؤية مكان جميل ، وفجر جديد ، ورجل تعرف من لحظتك الأولى أنك سيكون بينك وبينه حكاية عمر أو حتى خيبة ووجع قلب  ... سحر أكبر من كل قصص اللقا والوداع ، اكبر من كل تأثير الصدف العبقرية والأحزان الثقيلة .

أكبر حتى من نسمة محملة باليود ، تمسك وأنت تقف أمام البحر أو تنظر للسماء أو تجلس في حجرة مغلقة تفكر في البحر وتشتاقه ، البحر الكريم الذي يمنحك رائحته فور شوقك له ، وصغيري الذي لمس قلبي فور ان اصبحت جاهزة ومستعدة لتلقي عطايا الله وسحره .

الصغير الذي يتحدث معي طيلة اليوم ، واسمع ضحكته وأنا أغطس بجسدي تحت الماء لأبلله قليلا وأخبره انه يجب أن يحب الماء مثل أمه .

الصغير الذي منحني بكاء صافيا ، ممزوجا بالدفء والسعادة ..

الذي جعل أمي تزورني في اليوم التالي لظهور نتيجة تحاليل دمي الممتزج بوجوده وبكيانه ، جاءت وربتت على كتفي وأنا احمله ، ابتسمت له وتشممت رأسه وقبلته ومضت وكأنها تخبرني أنها تعرف الآن أن سيكون لي أمتداد ولها حفيد  يخصني كما تمنت دوما ، أمي التي جاءت بإبتسامة صافية وبملابس في لون السماء وبعبق عذب لتربت رأسه وروحي .

الصغير الذي يشبه الآن نبته  فول صغيرة يحاول التشبث بجسدي ، وأحاول أنا التشبث بفكرة مجيئه للعالم .

لو كانت بنتا ستكون ساحرة جديدة سأعلمها كل ما أحب وأعرف وأقص لها الحكايات والأسرار لأنه إرثها ، البنات يولدن في هذا العالم ليحفظن الحكايات من النسيان ، ويطبقن أيديهن على الغائبين حتى يبقى منهم عبق وحكاية وأثر .

لو كانت بنتا سأحاول ان احميها من كل ما أوجعني يوما ، من كل خيبات القلب والعمر .. لكنها ستكون مثلي متمردة صغيرة وحانقة على النصيحة المباشرة سأضطر أن اكون نسخة من أمي أقص الحكايات والاساطير حتى تتعلم منها وتعيدها على نفسها عندما اغادر العالم .

سترث ضحكتي وسأدعو الله ان يقي قلبها الصغير من الحزن وخيبات الحب ، سنجرب معا الوصفات ونلعب في الدقيق الأبيض .. سأعود لهناك لمنطقتي الآمنة من العالم وكأن شئيا سيئا لم يمس قلبي ابدا .

لو كان ولد سأسمح لمشاعر الجدات القديمة أن تخرج من روحي ، لأربيه فارسا ولأختبأ في حضنه من العالم وقسوته ، وسأحبه كما لم احب أحد في هذا العالم ، وسأقص له قصة اسمه في القرآن " وسأقول له دائما " الله قال ليحيي خذ الكتاب بقوة "

وسأقرأ له قصيدة صديقتي رانيا منصور واجعله يحفظ نهايتها جيدا " فأسميته  يحيي ليحيا ويختار ما يشاء " .

سأمر الأن  أمام عدة القهوة وافتح صفحة الكتابة لأكتب نصا خاليا من قدح قهوتي ، سأتجاهل رائحتها الإفتراضية التي تملأ رأسي .. وسأتحسس بيدي دقات قلبي ربما  اسمع دقات قلبينا معا

ربما يقول لي يا أمي ، فأقول له نعم يا حبيب أمك .



التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.