الرئيسية » » معارضة سركون.. ياسر عبد اللطيف

معارضة سركون.. ياسر عبد اللطيف

Written By Hesham Alsabahi on السبت، 25 أكتوبر، 2014 | 12:32 م

إلى الأشوري التائه في ذكراه...



قابلته في مكتب بريد ضائع في البراري الكندية. اجتزت طريقاً طويلاً للوصول إليه. على جانبي الطريق مبانٍ صناعية، صامتة وضخمة، كأنها مستودعات لبضائع وحاويات من النوع الكبير، وبعض الأوناش من طراز "الشوكة" تروح وتجيء هناك في صمت الأفنية الشاسعة.

 وبعد مسيرة مايقرب من الكيلومتر في هذا الطريق المقفر، وصلت إلى مكتب البريد دافعاً أمامي عربة الصغير، ولم يكن قد تجاوز الثلاثة أعوام من عمره.

وعلى الرغم من وجود المكتب في هذه المنطقة النائية، كان غاصّاً بالزبائن. ينتظرون في طابور طويل. وكنت أتفهم جيداً تململ الطفل في عربته وبكاءه المستمر. أحايله بالحلوى، وأحادثه بالعربية محاولاًَ تهدئته لئلا يثير إزعاج الأخرين؛ ولكن لم تفلح قطع "البونبون" في إلهائه عن غضبه من ذلك المشوار المُرهِق الذي اصطحبته فيه قسراً.. وجدت الموظَّف يرمقني من فوق طاولة العمل، عند نهاية الطابور، بنظرة فاحصة. كان طويلاً وأصلع شاهق البياض متجهماً. خلته من فصيل الكنديين الأنجلو بروتستانت البيض العنصريين، لابد أنّه يفكر: هؤلاء المهاجرون مزعجون بأطفالهم البكَّائيين ولغتهم الغليظة. ولا بد أنه سيتعامل معي بالمنطق ذاته خلف ستار التأدب الحضاري الكاذب.

وبعد انتظار طويل في الطابور، ومناورات من البكاء والصمت من الطفل. جاء دورنا فوصلنا إلى طاولة المكتب. وجدت ابتسامةً مترددةً على وجه الموظف الذي بادرني بعربية سليمة: أنت مصري؟

قلت له: نعم.

قال: مرحباً أنا جورج من العراق

قلت له: هل أنت أشوري أم سرياني؟

قال: أنا أشوري.

قلت له: أتعرف سركون؟

-       تقصد سركون الأكدي الملك؟

-       لا، سركون بولص الشاعر.

-       للأسف لاأعرفه، من يكون؟

قلت له: شاعر من بني جلدتك كان يقيم في هذه القارة نفسها، ومات منذ بضعة أعوام في ألمانيا!


كان سركون بولص قد قابل ـ بالصدفة ـ شيخاً لبنانياً يسقي ويطبخ الطعام في حانة على المحيط بكاليفورنيا، واكتشف أنه شاعر ينظم القصيد على طريق إيليا وجبران والعصبة القلمية، وأخرج له الشيخُ من بين الأقداح دفتراً قديماً مطبوعة على غلافه "أرزة لبنان" يحوي "قصائده العمودية الطويلة". وحكى له رحلته الطويلة التي صال وجال فيها بأرجاء الأمريكتين "ليس كالليث دائما!". وها أنا أقابل شبح سركون في مكتب بريد ضائع في البراري.


كتب الأشوري المتقاعد:

"ودعني مبتسماً

وملوحاً بدفتر قصائده في الهواء

ورأيته يعود إلى مواقده والدخان يعلو

من جديد، بعد أن أعاد دفتره إلى أحد الرفوف

حيث تبدو نسخةً باليةً من كتاب النبي  لجبران

رأيت دخانه يعلو مرةً أخرى

رأيتُ الأرزة على دفتره من جديد.."


وعظ سركون اللبنانيُ الشيخ، وألهمني الأشوري الطويل بمكتب البريد هذي السطور.


من كتاب "في الإقامة والترحال"- 2014


التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.