الرئيسية » » بسكال الديب في موج لبحار كثيرة | عبدالله السمطي

بسكال الديب في موج لبحار كثيرة | عبدالله السمطي

Written By Lyly on الثلاثاء، 3 مارس 2015 | 7:21 ص

تركز الشاعرة بسكال الديب في ديوانها الأول :" موج لبحار كثيرة" ( دار المؤلف، بيروت، الطبعة الأولى ديسمبر 2014) على استلهام الأفق الوجداني للكتابة الشعرية. هذا الأفق الذي يظلل كلماته القريبة من الوعي القارىء، ويسعى إلى تشكيل جملة من الدوال التي تصنع حالة دلالية قوامها العاطفي السينتمنتالي الذي يرتكز على ما هو حسي في مراقبة الأشياء ورصدها، وفي تكوين حقول دلالية متواشجة يحتضنها حقل دلالي متناغم هو حقل: " الحب" . 
 إن بسكال الديب التي تهب كلماتها ل" خالق الجمال" في بداية ديوانها، تسعى دائما إلى التقاط هذه الكلمات القيمية التي ينهض عليها الوجدان، وتقوم عليها الحواس وتستشرف عبرها آفاق الروح، وهي وإن كانت كلمات تجاورت بشكل سياقي بسيط، إلا أنها تصبو إلى الشفافية أكثر من الإيغال في التعقيد، وإلى تقديم ما تشعر به في لغة طيعة لكنها مشحونة أحيانا بأبعاد رمزية، إلا أن البعد الغنائي هو الذي يهيمن على بنى النصوص لأن الذات الشاعرة أكثر حضورا وأكثر بوحا عما تكنه من رؤى واستشراف لتجربة الحب. 
الذات الشفيفة:
بدئيا ومن الإهداءت والتصديرات الأولى للديوان تعبر الشاعرة بسكال الديب عن غبطتها بالحب، وعن أنها تصبو إلى أن تروي الحب من كلماتها، وهي تمزج بين الحب والشعر، كما في واحدة من تصديراتها للديوان:" ليس غريبا أن أهدي شعري لعينيك، فمن حنان عينيك نسجت حروف كلماتي" / ص 13 
وهي تواقة لاستعادة الحب المفقود في هذا العالم، كأنها تريد أن تحفز هذه القيمة الضائعة وتؤكد على يقينها على الرغم من افتقادها، ربما من أجل التذكير بها دائما، والحنين إلى غيابها.
حيث تقول في التصدير أيضا:" الحب حرفان ضائعان لا يزال العالم يبحث عنهما" . / ص 12
لقد رسمت الشاعرة بداءة أفقا للقراءة، كأنها ترسل إشارة أولية لقارىء على أن هذا الموج الشعري سيفيض من بحار الحب، وسوف تتواتر إيقاعاته بزخم منتشر يغرق النصوص بكلماته، ويفيض على ضفاف الدلالة الكلية لها. 
 من النص الأول تعبر الشاعرة عن تجربة الحب، فتتوجه بالسؤال المعهود:" من أنت؟" للآخر المحب، تعبر عن ذلك في نص شفيف تماما، لا تجرحه إيغالات أو استقصاءات، ولكنه يلوذ بشفرات الكلمات الواضحة:
من أنت؟
لتخترق بسحرك أعمق أعماقي
فتختنق أنفاسي بين ضلوعي
وأرتمي بين يديك
وأغوص في عالمك دون رجوع./ ص 15

 لم تكن الشاعرة لتقول ذلك مباشرة، فيما هو معروف من تردد المرأة في البوح مباشرة، لكنها انصرفت للتعبير بشكل شفاف لتسأل:" من أنت؟ " وهذا السؤال ليس عن عدم معرفة بالآخر إنما هو سؤال إيضاحي للإعلاء من قيمة المخاطب أكثر، وفتح أفق تعبيري لإبراز تجليات حضوره، وهو ما جرى في المشاهد التالية من النص، بيد أن الأبرز هو نهاية النص حين تحول الشاعرة دفة التعبير عن بيان الآخر إلى القول بأن الحب ينبع من الأنا من الذات الأنثوية:
ألا تدري 
أن الحب في دفاتري حلم
أنا صنعته .. لم يكتبه شاعر
لم يعرفه عاشق على مدى الدهور؟ / ص 16 
 وتستثمر الشاعرة في ديوانها هذا الوهج الأولي للدلالات العاطفية، حيث تقوم بتوجيه الخطاب الوجداني المتكرر في النصوص إلى الآخر، عاشقا أو حبيبا، أو محبوبا. إنها طاقة سنتمنتالية متحفزة دائما للبوح وللإفضاء الشعري الذي يحدد ملامحه في حالته الجلية الواضحة ، كما قلت سابقا، والشاعرة هنا لا تبحث عن تقديم رسالة شعرية، قدر ما تبحث عن طريقة مباشرة للبوح بما تشعر به وتحسه وتراه من قيم الحب وأثره على رؤيتها. 
 مع التأكيد على نقطة مبدئية هي أن تجلي الذات الشاعرة في النصوص ربما لا يرتبط كثيرا بالذات خارج النصوص، أو أو بمنشئة النص نفسه، اي أن الشاعرة داخل النصوص تتحرك بتلقائية كلمات النصوص نفسها وبفكر النص لا بفكرها هي بالضرورة، وبالسياقات التي تنبجس وقت الكتابة وفي لحظة الإشراق الإبداعي. 
 وتتعدد حالات الدفق السنتيمنتالي كما في نصوص:" أشتاق إليك" و" عائد من بعيد" و" إلهة الحب" و" عاد ليسرق قلبي" تمثيلا، وهي في هذه النصوص تقدم ألوانا من الحب، بين الاشتياق والحنين والفقد وتأمل الأحلام ووصف لذة الحب، ويمكن أن نستشرف عددا من المشاهد من هذه النصوص :
- من:" عائد من بعيد"

ما بك تعود من ذكرياتي
ترجع من دفاتر شعري
تنبعث من حروفي
ما بك تعود لتقتحم سطوري
تمزق أحاسيسي
تخدر أفكاري
تشل مشاعري لتزرع حبك. / ص 24

- من :" أشتاق إليك"

أشتاق إليك
وخفتُ من شوقي
لملمت أحاسيسي
ورحت أجري .. ركضتُ 
بين زحمة الناس
في شوارع الضجيج
في زحام مدينتي
في عالم النسيان
وأقسمتُ
ألا أشتاق أبدا .. إليك . ص 18

- من:" عاد ليسرق قلبي"

أحلامي تبعثرت
شفتاي طعم القبلات .. نسيتُ
عصفورتي الصغيرة
لملمت جناحيها وغفت
ورودي الحمراء ذبلت
انتظرتك طويلا لتكون لك هدية
في عيد ميلادك
ولكنك لم تأت . ص.ص . 33-34


حالة من الفقد والحنين تهيمن على المشاهد السابقة، فيما بين استدعاء الذكرى وهي تعبر عن أحداث تمت، تتذكرها الذات الشاعرة بلاعج من الحنين، كأنها تريد صنع الوقت من جديد وابتكاره لتعود الذكرى كما كانت في وهجها الأول، وبين اشتياث لحظات قادمة حالمة كما في المشهد الثاني، وما بين الانتظار المفقود بلا نتيجة للقاء حقيقي كما في المشهد الثالث:" انتظرتك طويلا ... ولكنك لم تأت" . 
 ما يجوهر المشاهد هنا دلاليا أنها وقعت في لحظتين خارج لحظة الآن، فالآن غائب، لا وجود له. الآن هو زمن الكتابة فحسب، زمن التأمل الراهن، الحيوي، فيما إن اللحظتين الأخريين يقعان في الماضي ( الذكرى- الحنين) أو في المستقبل ( الشوق/ الانتظار) والذكرى والحنين (الشوق) والانتظار تعبر عن لحظات خارج لحظة الحاضر : الآن ، وهنا تمسك الشاعرة باللحظتين لأن الآن يتوسطهما كأنها تحمل من الماضي للمستقبل مباشرة أو العكس. الشاعرة تؤكد على هذه الزمنية لأن فعل الحب نفسه يتكرر في اللحظات الثلاث. 
 

مثاقفة الدلالة:

إن الشاعرة استنفدت الكلمات المباشرة الطيعة، بشكل متكرر في النصوص، لكنها تنتبه في النصوص التي ذكرتها سابقا إلى أن فعل المثاقفة سواء كان أسلوبيا كالتغلغل في السؤال، وعد اليقينية واللا – أدرية، أو كان معرفيا كاستثمار الوقائع التاريخية، والشخصيات التراثية، أو الإشارة غلى الموروث بشكل مباشر أو غير مباشر أيضا، جعل النص تتحفز أكثر لتقدم دلالتها المتثاقفة، وهذا يعطيها أمرين: 
- الأول: العمق الزمني للنص، وتكثير الأمداء النصية. 
- الثاني: توضيب الصورة النصية حيال المتلقي، وتأثيثها برؤى جديدة مع الماضي التراثي، حيث إن وضع هذا الماض في سياق جديد من شأنه أن يحفزنا إلى التساؤل – عند القراءة- عن كيفية وضع الشاعرة لهذا الماضي وكيفية قراءته من لدنها. 
في نص : رحلة في أعماق الحب ، تقول الشاعرة:

أبحرت روحي
في هذا البحر الواسع
وقررت أن ترسو
دون أن تعرف أين ترسو
وحبيبي معي
تسابق خطواتي وقع خطواته
فهل تسافر روحي
دونك حبيبي؟

أضواءُ مدينتي تنيرُ هذا السحر الليليّ
فتتلألأ عيناه وتعانق أنوار عينيّ
وتسافرُ روحي
ويخاطب صوته كياني
وأصير حرفا من حروف كلماته
وتسابق خطواته وقع خطواتي
ويصمت الضجيج وينام الليل

وأصير صغيرة .. صغيرة
طفلة تلاعب أزرار قميصه
تغلغل لتذوق طعم حبه
على وقع دقات قلبه وعناق حبي
وتذوب عيناه ناظرتين إلى أعماقي
وتشتهي روحي إلا أن تسافر
في روحه . / ص.ص 47-48 
في هذا النص انتقلت الشاعرة نقلة أخرى أعمق على الرغم من البساطة التي يبدو عليها النص، انتقلت إلى قراءة الداخل الوجداني، إلى تأمل حالة حب في نطاق سردي – شعري ، فقدمت أداء جماليا يختلف عن الأداء المباشر الذي تجلى في بعض نصوصها. الأداء هنا أكثر تعفية على ما هو مباشر وإنشائي، بتركيب سياقي أولا بين الروح والبحر، وكلاهما دالان أكثر رحابة للتعبير عن السفر والعمق والرسو، كأنه بحر الروح أو روح البحر المتلاطمة بأسئلتها، وبحثها عن يقين الحب. 
 إن صنع السياقات الشعرية هنا يجدد إلى حد بعيد وضعية الدال ويغيره ويشعرنه، وهنا تتحول الصيرورة مثلا إلى فضاء جديد تسعى الشاعرة من خلاله إلى البوح بما طرأ على سيرة وصورة الحب عندها:" أصير حرفا من حروف كلماته/ أصير صغيرة صغيرة " .
 في النص أداء يسمح بقراءة تأويلية تمزج ما بين العمق والغياب كما في البحر/ الروح، وإلى الزمن كما في الصيرورة والعودة إلى الطفولة كصيرورة متقدمة في الحلم، أو متراجعة زمنيا إلى الطفولة. هنا تتحرك العبارات لتحمل كنهها السياقي الفعال، ويدنو النص من جواهره وأعماقه حتى لو اتخذ النص طريقه الحسي عبر شهوة التذوق ولغة العناق.



التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.