الرئيسية » » حلمتُ أن أتاجرَ في بُذُور القمرِ | أحمد الشهاوي

حلمتُ أن أتاجرَ في بُذُور القمرِ | أحمد الشهاوي

Written By Hesham Alsabahi on السبت، 20 سبتمبر، 2014 | 3:54 ص

حلمتُ أن أتاجرَ في بُذُور القمرِ 

فشلتُ في أشياء كثيرةٍ خلال حياتي ،
" ولن أستخدم مُفردة أخفقتُ للتخفيفِ عن نفسي من وقع مُفردة الفشل " ، لكنني لم أرني أبدًا فاشلا في شيءٍ ، 
كنتُ أعيدُ المرَّةَ ألفًا وأنجحُ ، وأحاولُ ثانيةً وأنجحُ ، 
سُقتُ غمامًا ، وسفَفْتُ تُرابًا ، وخُضتُ معاركَ ، 
ولمَّا قررتُ ألا أنشرَ كتبي سوى عند ناشرٍ خاصٍّ واحدٍ نجحتِ المحاولةُ ، وصارتِ الدارُ المصريةُ اللبنانيةُ في القاهرة بيتي وسكنَ كتاباتي ، ولما قررتُ ألا أقولَ شعرًا ، أو أشاركَ في أيةِ مُناسبةٍ ، تقيمُها أيةُ جهةٍ تتبعُ وزارةُ الثقافة المصرية ، أصررتُ وما زلتُ مُصرًّا أنني صائبٌ ، ولما قاطعتُ بَشرًا " هم في الحقيقة ليسوا بشرًا ، ولم ينجح واحدٌ منهم كشاعرٍ أو ككاتبٍ ، أصررتُ على أن تكونَ القطيعةُ أبديةً ، لأنَّ البُعدَ عن السبَّابِ الشتَّامِ فريضةٌ - وليس فقط كما نقول عادة - غنيمةٌ .
أصررتُ أن تكونَ رُوحي ونصِّي في حُريةٍ من القوالبِ ، كان هدفي أن أنقذَ ذاكرتي من النسيانِ والخطفِ .
ليس عندي ذهبٌ ليُسْرَقَ ، أو أُقتلَ من أجلهِ ، ولكنَّ قلبي " يتاجرُ " في الذهبِ إذْ يبيعه مجانًا ، وأنا هنا لا أمتدحُ هذا القلب ، الذي كم دُسْتهُ كثيرًا ، لأن عجينته مختلفةٌ ، وهذا الاختلاف جعلني أفعلُ أشياء ندمتُ عليها فيما بعد الفعل ، لكن سُرعانَ ما أعودُ عن ندمي وأقولُ : هكذا خُلقتَ يا أحمدُ ، ولن تُغيِّرَ من طبيعتكَ ولو أردتَ وألححتَ في المحاولةِ .
عشْتُ ولم أكن يومًا عبدًا لشيءٍ ،
دومًا قاسٍ في الإقلاعِ والخُروج والقطْع متى أردتُ ، 
ودومًا يُنقذني نهرُ الذهب الذي لا سواحلَ له ، ولا أعرفُ له طُولا ، حتى أنني أظنُّ أنه يُطاولُ نهر النيل ، الذي يبتعدُ عن بيتنا في القرية بضعة أمتارٍ ، وكنتُ أغسلُ أرجاسَ مُخيلتي في مائِه ، وحمدتُ الله أنه فشل في غسيلها .
لم أكن يومًا سجينًا لعادةٍ ، أو أسيرًا لشخصٍ ، أو وظيفةٍ ، 
أنقذني استغنائي ، الذي به اغتنيتُ ، 
حتى ولعي بالأنتيك ، والتراثِ القديم ، والنوادرِ ، والكتبِ واللوحات والعُملاتِ ، لم يصل إلى حدِّ الهوسِ ، لكنَّ علاقتي بإرثي خلقتْ لي توازني في الحياةِ ، ومنحتني ميزة الاتصال بأسلافي ، ومجاورتهم ومحاورتهم ونقدهم أيضًا .
حتى السنوات التي زنَّ فيها الموتُ على عُشِّي ليخربه ، نجحتُ في إقناعِهِ أن يكونَ صديقًا لي ، وأن يتركني لبعض الوقتِ لأقرأ أكثرَ مما أكتبُ كما هي عادتي ، إذْ ماتزالُ هُناك كتبٌ مُهمةٌ لم تُقرأ ، وقلتُ له : ألم يكْفِكَ أنكَ حصدتَ أربعةً من أسرتي كانوا بين العشرينيات والأربعينيات من أعمارهم " أمِّي وأبي وشقيقتاي سعاد وزينب " فخجِلَ ووعدني أن يؤجِّلَ ، فقلتُ له : ولو قليلا ، فأنا لا أُحبُّ الحياةَ إلا لشيئينِ : القراءة والكتابة ، والعشق ، وكلاهما يسبقُ الآخر ويتقدمُه ، وليس بينهما أولٌ ولا ثانٍ .

حلمتُ طوال عُمري أن أتاجرَ في بُذُور القمرِ ، 
لا أبتغي ربحًا ، وكذا أنا لا أحبُّ الخُسران ، فقط أوزِّعها مجانًا ، ليزرعها الناسُ أينما كانوا ، من لهُ دينٌ أو من يعبدُ شمسًا أو فرْجًا ، أو يُقدِّس بقرةً أو قطًّا ، أو يعبدُ قوسَ قُزح أو نهرًا من الألوان .
هذه التجارةُ التي لم أمارسها ، وإن كنتُ قد حاولتُ زراعةَ النُّور في أراضٍ كثيرةٍ ، جعلتني أصيرُ حارسًا على اسمي ورسمي ، 
وأن أعيشَ العشقَ الذي حلمتُ به وأنا طفلٌ صغيرٌ يوم أخذتني جارتنا الشابة ، لأفتح لها صُندوق كنوزها ، وأنا لم أكُن أميزُ بعد بين ماسٍ أو ذهبٍ أو ياقوتٍ أو عنبرٍ ... ، أو بين قبابٍ وأهلةٍ ،
فقط كنتُ طفلا حالمًا ، ذهبَ ليستعيرَ منْخُلا ، 
لينخلَ به ما ترسَّبَ في بوْتقةِ نارِ زمنِهِ .

التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.