الرئيسية » » الضياع - قصة قصيرة | حسن عبد الموجود

الضياع - قصة قصيرة | حسن عبد الموجود

Written By Hesham Alsabahi on الجمعة، 19 سبتمبر، 2014 | 9:52 ص

الضياع - قصة قصيرة


حارس البار بالتأكيد ليس من السكان الأصليين للحي الراقي.

يمكنُ معرفة الأماكن من مظهر الأشخاص. هل تصلح هذه العبارة كنظرية؟ فكر بينما يسير في شارع 26 يوليو. كانت الساعة تقترب من العاشرة، بينما تعلق نظره بشخص يرتدي جلابية رمادية، جلابية نظيفة ومكوية، ومن أسفل الياقة «الشيك» يبدو وكأنه يرتدي «تي شيرت» رمادياً أكثر قتامة، وحذاء رمادياً، مرَّ بالقرب منه واختفى داخل بناية. نظر إلى ما يرتديه هو وكأنه نسيه، إذا كان يحب الزمالك إلى هذه الدرجة فلماذا يشعر، طوال الوقت، بأنه غريب داخلها؟ الشباب والفتيات يجلسون في الكافيهات المنتشرة على الجانبين. كثيراً ما جلس بالقرب منهم، ولاحظ أن عدداً من العلاقات تنشأ بين أشخاص بدون أن يكون هناك سابق معرفة بينهم، لم يكن يقصد التلصص، ولكن من حوله كانوا يتصرفون بعادية شديدة، وحتى ولو لمحه أحد الأشخاص وهو يحدق فيه وفيمن يجلسون معه فلم يكن ليخفض صوته أو لينبَّه الباقين، كما لم يحاول أحدهم لشهور طويلة أن يتحدث معه. كان وجوده ضعيفاً وغير محسوس كأنه شبح، وكان من المفترض أن يشعر بالراحة هو الشخص الذي يبحث عن العزلة، وقرر أن يصيغ ما يفكر فيه على هذا النحو: «أنا أحب العزلة.. ولكني أشعر بالضيق حينما يعتزلني العالم». منذ أيام كانت فتاة جميلة تجلس وحيدة بالقرب منه، وبالقرب منهما مجموعة أخرى انشغل كل منهم بتليفونه، هل تنتظر أحد أصدقائها أم تقضي وقتاً عادياً؟ لماذا ذلك التعبير الحزين فقط على وجهها؟ لمحته وأشاحت بوجهها بعيداً كأنها تقول له ممنوع الاقتراب.

كان عليه أن يقنع نفسه بالنسيان طوال الوقت، وتغيير ما يفكر فيه من خلال جملة جديدة «العالم يدير ظهره لمن يحب العزلة». عليه أن يكون أكثر اتساقاً مع نفسه، وأن يترك الأمور تسير بعادية. في لحظات التفاؤل يفكر في أنه متطرف، وعليه أن يصدق عدم اقتناعه بفكرة واحدة، بدليل أنه يغيِّر وجهة نظره مع أي حدث، أو طارئ، كما أنه يغيرها، حتى، وفق ما يمليه عليه عقله، في لحظات صفائه أو اضطرابه. على سبيل المثال، تلك الموسيقى التي تنسال من السماعتين تملؤه بالراحة، ويتمنى أن يمتلك آلة زمن ليعود لشكر الكورال المصاحب لذلك المطرب القديم. جزء من عظمة ذلك المطرب في التناغم غير الطبيعي مع أفراده، ومع أصواتهم الرائعة، التي يكاد يلمس كلَّ صوت منها بيديه، ولكنه حينما ينزع السماعتين ليعرف ما يريده ذلك النادل الذي يتحرك كإنسان آلي، ومطالبته له بأن يتحرك قليلاً إلى الوراء ليفسح المجال لترابيزة أخرى، يشعر بالغضب. الأفكار فعلاً ليست مجردة، الأفكار ملونة بمشاعرنا، وهي أقرب إلى الواقع الذي نعيشه، السعادة ذات ألوان زاهية، والحزن والغضب تمثلهما الألوان القاتمة. لم يكن ليستسلم لخاطر واحد، ولكن ما كان يكرهه هو عدم سيطرته على تلك الخواطر، لا يمكن أبداً ليسمح بسيطرة عقله عليه، هو من يقود، والعكس يعني أنه لا يعرف جيداً موضع أقدامه.

عاد الشخص الذي يرتدي جلابية رمادية إلى محيط رؤيته، ليعيده إلى غربته. لماذا يتحرك هذا الشخص بتلك الثقة المطلقة التي تشي بأنه من السكان القدماء الذين أسسوا الزمالك؟ ما حاجته هو إذن إلى أن ينتمي إلى ذلك المكان الذي يشعره بتلك الغربة، هو من يعيش في حي راق آخر؟ قد نستريح قليلاً لو حاولنا أن نفكر من منظر الآخرين، مسته الفكرة للدرجة التي كاد معها أن يسأل الفتاة الجميلة: كيف ترينني الآن؟ وهكذا عاد للتفكير في شخصيته المتطرفة.

انتهى به الأمر ذلك البار ذي الباب الخشبي الضخم. الحارس يعرفه بكل تأكيد، فقد شاهده مرات كثيرة يأتي إلى هنا. منحه كثيراً من الإكراميات، كان يتلقفها منه بدون كلمة شكر واحدة، وفي كل مرة يأتي يتظاهر بأنه لا يعرفه. هل وصل إلى أن هذه هي الطريقة الوحيدة التي يحصل فيها على الإكرامية، بدون تقديم أي نوع من الخدمات؟ الحارس يُشعره بأن دخوله البار مسألة صعبة للغاية، وقد كان يغفر له ذلك في أيام الزحام، ولكنه في بعض الأوقات كان يفاجأ بعدد محدود للغاية بالداخل، كما سيحدث اليوم. هذا الرجل، الذي يفكِّر، ولا يدري لماذا، لم يقرأ كتاباً واحداً في حياته، يمارس عليه ضغطاً نفسياً كبيراً، وهذه المرة سيسمح له بالدخول بدون أن يقول له جمله المحفوظة المقتضبة عن عدم وجود أماكن شاغرة، ومع هذا لم يبتسم، ولم يبد أي إيماءة ترحيب به. على البار كان هناك عدد من الأشخاص ومعظم الترابيزات كانت فارغة، وهو اختار الجلوس في ركن بعيد بجوار شمعة عملاقة، بحيث يتمكن من الحصول على رؤية شاملة. بالقرب منه كان شخص، في أواخر الأربعينيات، يجلس بمفرده، حياه حينما لاحظ أنه ينظر إليه حيَّاه بإيماء من رأسه. تغيرت مشاعره في تلك اللحظة، فما حاجتنا إلى أن نشعر بالمؤامرة في محيط كبير يضم كل هذا العدد المختلف من البشر؟ حي كامل راق لا يعني أن سكانه يفكرون بالطريقة ذاتها، لا يشعرون بالمشاعر ذاتها، ولكن ألم يكن يفكر منذ ساعات في أن المكان يترك تأثيره على الأشخاص؟ لو قرر السكن في الزمالك، وهو يملك، هل يقيم السكان حفلة على شرفه؟ لا يريد، ولكن، على الأقل، هل تنفتح الأبواب السحرية، لذلك الغريب؟ ذلك الشبح هل سيحصل على الألوان الطبيعية في اللحظة التي يخطو فيها في شوارع الحي الراقي؟ انتبه إلى الأربعيني المبتسم، يتوقف في مواجهته، وهو يستأذنه في الحصول على كرسي. هز رأسه بحماس، وانتبه إلى أن أربعة كراسى كانت تحيط بترابيزته، وقد تبرع بأحدها للأربعيني، فما حاجته إليها؟ نظر إلى ترابيزة الأربعيني، ولم يكن هناك أحد معه، وانتبه إلى أنه أصبح يملك خمسة كراسى الآن. فجأة دخلت الفتاة الجميلة وسارت بالقرب منهما، وتلك الابتسامة على وجه الأربعيني ونظراته إليها أشعرته بأنها في طريقها إليه، ولكنها جلست بالقرب منهما. نظر إليها فأشاحت بوجهها. انتبه في تلك اللحظة إلى أن كل ترابيزة يجلس إليها شخص واحد مع مجموعة كراسى، وكان كل منهما مشغول بتليفونه، وكان نادلان يتحركان بآلية بينهم. نهض الأربعيني واتجه إليه مشيراً بيده إلى كرسي آخر، بدون أن ينطق، وكان عليه أن يؤجل هواجسه عن ذلك الرجل إلى ما بعد ذهابه إلى ترابيزته، ولكن مع تكرار الأمر لمرة ثالثة في أقل من الساعة ومع عدم مجييء أشخاص إلى الأربعيني شعر بخوف حقيقي، أشار للنادل، وشرح له بصوت خفيض ما جرى، فتركه قائلاً باقتضاب «عادي». تطلع إلى الأربعيني فوجده ينظر إليه مبتسماً، وحينما نهض من مكانه شعر بخوف عميق يضربه، وتحسس موضع كرسيه بيديه الاثنتين. كان الرجل يقترب منه وابتسامته تتسع، ثم رفع يده، مشيراً إلى الكرسي، في الوقت الذي بدأت فيه الفتاة الغناء بصوت عال. 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من مجموعة بعنوان «السهو والخطأ»



التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.