الرئيسية » » مرثية للعمر الجميل | السمّاح عبد الله

مرثية للعمر الجميل | السمّاح عبد الله

Written By Hesham Alsabahi on الثلاثاء، 23 سبتمبر 2014 | 11:59 ص

مرثية للعمر الجميل

السمّاح عبد الله


دخلت عليّ مكتبي في مجلة " القاهرة " بشقة ماسبيرو، كانت زياراتها لي قد انقطعت منذ فترة طويلة، تطلعت في وجهي وكأنها تستعيد قسماته، كانت جميلة أكثر من أي مرة سابقة، وروائحها عطرة ومبهجة، جلست في استرخاء وعذوبة، طلبت لها شايا، وسألتها عن أحوالها وعن فترة انقطاعها، أكدت لي أنها بخير، وأن أحوال الدنيا أخَّاذة، كانت ترتشف الشاي برقة متناهية وتنظر لي بعيون مبتسمة، أتي الشاعر الصديق فتحي عبد الله زميلي في المجلة وسلم عليها وخرج، وكذلك الشاعر الصديق مهدي مصطفى زميلي الآخر الذي ألح أن يعزمها على كوب شاي، فرفعت كوب الشاي الذي في يدها لكي تريه له، ولما صارت غرفة مكتبي خالية إلا منا، وضعت كوب الشاي على المكتب المجاور وقربت كرسيها من مكتبي، ووضعت ساقا على ساق وسألتني :
- منذ متى ونحن متعارفان ؟
أدركت أن في الأمر أمرا، وأنه ينبغي عليّ أن أحتاط كثيرا في كلامي معها حول هذه المنطقة، وضعت مرفقيّ على حافة المكتب، وارتشفت رشفة من كوب شايي، وقلت :
- منذ سنوات .
قربت رأسها من رأسي، واستدركت :
- فلماذا لم نتزوج ؟
تأكد يقيني من أن في الأمر أمرا، لكنني أجبتها كما لو كنت أناقش موضوعا عاديا :
- لم نتزوج لأن الزواج قسمة، وبالإضافة إلى أنه قسمة فهو نصيب، ويبدو أن قسمتنا ونصيبنا غير متفقين .
بعد فترة صمت أمسكت بمفاتيحها، وظلت تقلبها بين أصابعها، ثم وضعتها على المكتب واتجهت بوجهها لي وقالت :
- الذي لم يتح لك أبدا أن تعرفه أنني أحبك جدا .
أصبح الأمر الذي في الأمر حقيقة مؤكدة، ولا ينبغي اللف ولا الدوران وعليّ المواجهة، أخرجت مفاتيحي من جيبي وظللت أقلبها بين أصابعي، ثم وضعتها على المكتب بجوار مفاتيحها، ونظرت في عينيها قائلا :
- ومن الذي قال لك إنني لا أعرف، أنا أعرف أنك تحبينني، وأنا أيضا أحبك وكنت أظن أنك تعرفين ذلك، غير أن الذي عليك أن تعرفيه أن حبنا حب صداقة حقيقية، إنك صديقة عزيزة جدا على قلبي، وأنت تعرفين أن الزواج قد ينتهي بالطلاق وإن لم ينته بالطلاق فهو محفوف بالمشاكل، لكن الصداقة دائمة .
قبل أن تفتح فمها وتتكلم، دخل علينا الشاعران الصديقان عبد المنعم عواد يوسف وأحمد سويلم، قدمتها لهما وقدمتهما لها، وتحدثنا في الشعر قليلا وشربنا الشاي واتفقنا على مواعيد قريبة وقصائد أخرى وذهبا، فاستعادت جلستها الأولى وأمسكت بميدالية مفاتيح، أظنها تحسبها مفاتيحها وقد كانت مفاتيحي، وأكملت كلامها وكأن أحدا لم يقطع الحديث :
- لقد أتيت لك اليوم لنتزوج، بأية صورة وأنا على استعداد تام لأن نخرج الآن للمأذون .
هزتني المفاجأة غير المتوقعة، نظرت إلى الباب عل صديقيّ الشاعرين يعودان مرة أخرى لتغيير المواعيد أو لتبديل القصائد فلم يفعلا، ولما وصل الحديث بنا إلى هذا الحد لم أجد بدا من الوضوح فقلت لها :
- يا صديقتي العزيزة، أنا الآن متزوج، ولي طفل وزوجتي حامل في طفل آخر، ولا أريد أن أترك عائلتي الصغيرة الجميلة، فلنكن أصدقاء أفضل .
يبدو أنها كانت مصممة، فأكملت :
- لن تترك زوجتك، سنتزوج سرا ولن يعرف أحد شيئا .
أصررت على موقفي، موضحا أن الأمر لا يمكن أن يكون على هذه الوتيرة، وأنا لا أستطيع أن أفعل ما تريده مني، بل لا أسمح لها أصلا بطرح هذا الموضوع بهذه الصورة على الإطلاق، كنت غاضبا وكان صوتي عاليا، حتى أنها خجلت، وتمتمت بما يشبه الاعتذار، وغيرت الموضوع تماما، إذ سألتني لماذا لم يصدر ديوان " الواحدون " إلى الآن ؟
وكأنني كنت أنتظر مثل هذا السؤال، لأبعد عن الموضوع الشائك المحفوف بالمخاطر، فمددت يدي لأمسك ميدالية المفاتيح، كانت مفاتيحي ومفاتيحها قد اختلطت تماما إلى الدرجة التي يصعب معها تحديد ملكية أحدها لأحدنا، وقلت لها إن السيدة اعتدال عثمان المشرفة على إدارة النشر بهيئة الكتاب اعترضت على قصيدة " محمد " وطالبت بحذفها من الديوان معللة الأمر بأنه لا يجوز ضم شخصية نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم إلى باقي شخصيات الديوان الذي يضم " أبو نواس " و " أبو لهب " و " ماركس " و " تروتسكي " و " جيفارا " و " نجيب محفوظ " و " جوزيه أركاديو بوينديا "، ولما كنت مصرا على نشر الديوان بصيغته التي وضعتها فقد قمت بسحبه من الهيئة، وأضفت بأن السيدة اعتدال عثمان لم تشر إلى أن الديوان يضم أيضا أنبياء آخرين مثل " آدم " و " إسماعيل " و " عيسى " .
انتبهت إلى أنها لا تسمعني، وأنها لا يعنيها أمر ديواني، أنا أيضا لم يكن يعنيني هذا الأمر، غير أن الجلسة لابد وأن تكون ممتلئة بالحديث، وأي حديث حتى لو كان عن ديوان تعطل في أدراج دور النشر الخاصة والعامة لسنوات طوال بسبب قصيدة، المهم الابتعاد عن مقصدها، دخل فتحي عبد الله وجلس على مكتبه وفتح كتابا وأغلقه وقام، لم تفلح محاولاتي معها، إذ سرعان ما عادت لموضوعها وكأنها ما سألت عن ديوان وكأني لم أحك لها معاناة إصداره، وكأن فتحي عبد الله لم يدخل ولم يخرج، فعادت للمفاتيح تقلبها وتحدثني وهي ناظرة إليها لا إليّْ :
- ولكنني أريد أن أتزوج، والآن، وإذا لم تكن أنت زوجي، فليكن أي رجل .
تجاهلت الموضوع تماما، وبدأت أكمل حديثي عن " الواحدون " مؤكدا أنني لا بد وأن أبحث عن وسيلة لنشره بالصورة التي أريدها له، ولو كلفني ذلك الأمر أكبر المشاق، رجرجت المفاتيح في يدها ورفعتها في وجهي كي يعلو صوت شخللتها على صوتي ووقالت :
- هل سمعتني ؟ أريد أن أتزوج الآن .
رددت عليها :
- نعم سمعتك، تريدين أن تتزوجي الآن، فماذا أفعل، زملائي في المجلة أحمد طه ومهدي مصطفى وفتحي عبد الله كلهم متزوجون .
سألتني :
- وأنت، لماذا لا توافق على الزواج السري ؟
لم أعد مهتما حتى بأمر المفاتيح، وبحسم لا يقبل الجدل أجبتها :
- لا .
دخل الحجرة الدكتور غالي شكري رئيس التحرير، ومعه فتحي عبد الله، أخبرني الدكتور غالي أنه سيذهب للأهرام وبعدها سيذهب للبيت، وأن عليّ من أجل خاطر النبي أن آتي غدا لحضور الاجتماع، أكدت له أنني لابد وأن أجيء غدا فليس من المنطقي ألا أحضر اجتماع مجلس التحرير غدا، ابتسم وقال لي :
- عليّ أنا هذا الكلام ؟ أنا خابزك وعاجنك .
واستدار هو وفتحي ومضيا، مشيت معهما لأكمل حديثي مع الدكتور غالي شكري حول كتاب المفكر الراحل حسين مروة عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني " ولدت شيخا وأموت طفلا " وهو السيرة الذاتية له والذي كان الدكتور غالي شكري قد وعدني أكثر من مرة بإعارته لي ولم يف بوعده أبدا، وأوضحت له أنه من أجل خاطر النبي ينبغي أن يحضره معه غدا، فأكد على أنه سيفعل، وأوصلته لباب الشقة، ولما استدرت كي أعود لمكتبي، لمحت الصديق القاص " س . ح " صافحته ورحبت به وعدت أنا وفتحي للمكتب، جلس هو على مكتبه وفتح كتابه، وجلست أنا على مكتبي وأمسكت المفاتيح، فرفعت هي عينيها لي وقربت رأسها من رأسي متحاشية أن يستمع لحديثنا فتحي عبد الله وهمست بصوت منخفض :
- ما قولك ؟
بنفس انخفاض الصوت أجبتها :
- من فضلك يا عزيزتي أنا لست خاطبة .
وبرغم انخفاض صوتينا إلا أن فتحي عبد الله هو الذي رد عليّ :
- ولماذا لا تكون خاطبة ؟
وأكمل وكأنه متابع لكل تفاصيل الموضوع :
- مادمت لا تستطيع أن تتزوجها فلتخلق لها زوجا .
فتحي عبد الله أحد أصدقائي الشعريين الذين ارتبطت بهم منذ حطت رجلاي القاهرة في النصف الأول من ثمانينيات القرن العشرين، كبرنا معا وجلسنا على ثلاثة أرباع مقاهي وبارات وسط البلد وعملنا معا في المجلات الأدبية العامة والمجلات الأدبية الخاصة، كل ذلك لم يشفع له، فقد صرخت في وجهه :
- يا صديقي أنت لا تعرف شيئا، ثم أن جميع الموجودين في المجلة متزوجون ؟ ولم يتبق غير " س . ح " فهل تتزوجه ؟
كتم فتحي عبد الله ضحكته وأجاب :
- لا إلا " س . ح " بعدها أطلق ضحكته المجلجلة .
أنا وفتحي عبد الله وكل أدباء زهرة البستان والمخزن وريش والآتيلييه والجريون والكاب دور وعلي بابا وأسترا نعرف أن " س . ح " هو الوحيد الذي لا يصلح لأن يتزوجها، بل لا يصلح لأن يتزوج على الإطلاق، ولأنها لا تعرف، فقد قالت بكل ثقة :
- أنا موافقة على الزواج ممن تتحدثان عنه .
نظرت لفتحي عبد الله لكي يعينني على التوضيح، فوجدته يعود مرة أخرى لكتم ضحكته، فالتفت إليها وأنا أحاول أن أكون واضحا وحاسما ومبتعدا قدر الإمكان عن اللف والدوران، فمثل هذه الأمور ينبغي أن تقال على بلاطة، وهمست لها :
- إنه لا يصلح للزواج .
يبدو أنها لم تفهم، ويبدو أنني كنت مازلت أمارس اللف والدوران، لأنها قالت بكل وضوح وحسم :
- ربما يصلح، والزواج أحيانا يُقَوِّمُ المعوَجَّ ويعدل المائل .
لكنني عقبت في محاولة أخيرة لتبيان الأمر :
- وهل يستقيم الظل والعود أعوج ؟ .
من الواضح أيضا أن هذا المثل لم يأت ثماره المرجوة، إذ كانت لا تزال تصر على رأيها، قلت في نفسي إن الأمر أمر زواج ولابد من قول الحقيقة مهما كانت العواقب، ومعلوم تماما أنه لاحياء في الزواج، ابتدأت في تهيئة الجو بكلام عن ضرورة الإلمام بكل كبيرة وصغيرة عن الذي سنقترن به وبأن الأمانة تحتم عليّ أن أقول لها إن السيد " س . ح " .....
لكن فتحي عبد الله لم يدعني أكمل، إذ صرخ في وجهي بصوت عصبي ولم يراع صداقتي الطويلة له منذ حطت رجلاي القاهرة في النصف الأول من ثمانينيات القرن العشرين، حيث كبرنا معا وجلسنا على ثلاثة أرباع مقاهي وبارات وسط البلد وعملنا معا في المجلات الأدبية العامة والمجلات الأدبية الخاصة، كل ذلك لم يشفع لي، فقد صرخ في وجهي :
- يا سبحان الله، يا أخي لا تريد أن ترحم ولا تخلي رحمة ربنا تنزل ؟ .
قال هذا الكلام العصبي وترك مكتبه ووقف أمامها تماما وقال لها :
- سأذهب الآن وأعرض عليه الأمر، ما رأيك ؟ .
نظرت لي وهي تقول له :
- اذهب .
انتهزت فرصة ذهابه وملت عليها في محاولة أخيرة لتخليص ذمتي أمام الله وقلت لها :
- السيد " س . ح " لا يملك آليات الزواج .
لكنها فاجأتني بصراحتها التي لم أكن أتوقعها :
- وهل تظنني غبية، أنا فاهمة كل شيء، أم انك نسيت أنني كنت متزوجة ؟ .
سمعت هيصة كبيرة قادمة نحونا من صالة التحرير، فخرجت لأستطلع الأمر، فوجدت " س . ح " في الممر الطويل الفاصل بين صالة التحرير وحجرة مكتبي، وكان فتحي عبد الله يحاول أن يزقه ناحية الحجرة وهو يقدم رجلا ويؤخر رجلا، ولما لمحني قادما في اتجاههما توقف أمامي وعلى فمه نصف ابتسامة وهو يقول لي :
- لن أدخل، وإذا كانت هي موافقة على الزواج مني، فعليك يا صديقي أن توضح لها الأمر .
استعبطت وأنا أستفهم منه :
- أي أمر هذا الذي تريدني أن أوضحه لها ؟ .
- انفجر فتحي عبد الله في ضحكة كبيرة وكحة متواصلة، لكن " س . ح " أجاب بكل براءة :
- عليها أن تعلم أنه ليس مطلوبا مني أية التزامات بأية واجبات على المستوى المادي أو الإنساني أو الـ.....
قاطعه فتحي عبد الله وهو بين الضحك والكحة قائلا :
- أمرك واضح يا صاحبي وليس في حاجة لتوضيح .
لكن " س . ح " وقف متسمرا في مكانه وقال :
- لن أدخل، وإذا كانت موافقة فلتأت هي .
ثم تراجع عائدا ليجلس بجوار أحمد طه وأحمد يماني ، وهو يشعل سيجارة وينفخها، تماما كما يليق بعريس متمرس .
دخلت أنا وفتحي عبد الله الحجرة، وقال لها :
- تعالي معي لتري عريسك .
قامت من مكانها، وسارت معه .
جلست على مكتبي أرتشف ما تبقى من الشاي وألملم أوراقي وأضعها في شنطتي، كانت مفاتيحي ومفاتيحها مختلطة ففككت الاختلاط، وعلقت مفاتيحي في عروة البنطلون، استعدادا للمغادرة وأشعلت سيجارة ورجعت بظهري إلى الوراء في محاولة لاستيعاب ما يحدث في اليوم الغرائبي، أنهيت سيجارتي وأمسكت مفاتيحها في يدي لكي أعطيها لها، وحملت حقيبتي على كتفي وذهبت لصالة التحرير فلم أجد أحدا، وعرفت أنهم خرجوا، نظرت من النافذة فوجدتهم كلهم في الشارع واقفين في الرصيف الفاصل بين نهري الشارع يحاولون العبور إلى الكورنيش، كانوا كثيرين فأدركت أنهم ينوون أن يأخذوا ميكروباصا نظرا لكثرة عددهم، وفهمت لماذا لم تهتم بأخذ مفاتيحها حيث لن تتسع سيارتها لهذا العدد من أصحاب العريس بالإضافة إليها هي والعريس .
في مقهى زهرة البستان جلست مع إبراهيم فهمي وسعيد عبيد وأسامة خليل وسمير عبد ربه الذي طلب من " جميل " صاحب عربة الكبدة والسجق ثلاثة سندويتشات مع طبق مخلل مؤكدا له بأنه لن يدفع حسابها مع الحساب القديم اليوم أو غدا ولكن بعد غد وبناء عليه فإنه سندويتشات الغد أيضا ستنضاف إلى مجموع الحساب المتراكب، معقبا أن مثل هذه الأمور ينبغي أن تكون واضحة، اتسعت الحلقة وانضم إلينا إبراهيم الحسيني وهشام قشطة ومحمد السيد إسماعيل، نظر إلى أسامة خليل وقال لي :
- هل تصدق أن " س . ح " تزوج ؟ .
أجبته باندهاش :
- يا رجل قل كلاما غير هذا .
لكنني فوجئت أنهم كلهم يعرفون الخبر، لم تكن الموبايلات قد اخترعت بعد، ومع ذلك فقد انتشر الخبر بسرعة البرق، نادى عليّ عم أحمد مما يعني أن أحدا طلبني في هاتف المقهى، كان فتحي عبد الله يخبرني أنهم بعد أن كتبوا الكتاب وأعلوا الجواب أصر الشاعر نجيب شهاب الدين على الاحتفاء بالعروسين على طريقته الخاصة، وهم الآن كلهم في بيته ولا ينقصهم غيري لكي تكتمل الليلة، طلبت منه أن يعطيني نجيب شهاب الدين في الهاتف، باركت له وشكرته على دعوته الكريمة واعتذرت عن عدم ذهابي وتمنيت لهم جميعا سهرة سعيدة .
في المساء بدأت الوجوه تتقاطر على المقهى، جاء فتحي عبد الله، وبعد قليل جاء " س . ح "، لم يجلس وإنما وقف أمامي مباشرة وقال لي :
- أعطني مفاتيح المدام ؟
أدركت أنه يقصد مدامه هو، طلبت منه أن يجلس ليحتسي كوبا من الشاي، لكنه اعتذر متعلالا بأن المدام واقفة أمام السيارة ولا ينبغي عليه أن يتركها وحدها، أعطيته المفاتيح وتمنيت له زواجا سعيدا، أخذها ومضى .
*****************************
لم يمض سوى أقل من شهرين، حتى فوجئت بصديقتي أمامي في المكتب، كانت عيناها حائرتين، وشفتاها جافتين، وأقرب إلى الذبول، ألقت بمفاتيحها على المكتب وانخرطت في بكاء صامت، المنديل القماشي لا يصلح في هذه المواقف، وأنا كرجل كلاسيكي لا أستطيع الاقتناع بالمناديل الورقية، لا بأس، وما دامت دموع المرأة قديمة فلماذا يكون تجفيفها حداثيا ؟ قدمت لها منديلي، وتعللت بأمر ما وخرجت، فأنا ضعيف جدا أمام دموع الجميلات، أجريت مكالمة هاتفية من هاتف صالة التحرير، وزعقت فيمن أحدثه لسبب ما، وعدت، كانت هادئة بعض الشيء لكنها مازالت ذابلة، وكان الشاي الذي طلبته لها ولي قد أتي، قدمته لها وقبل أن أفتح فمي بأية كلمة قالت لي :
- أنت السبب .
عرفت أنها طلقت، واستطعت أن أعرف أنها تعرضت لتجربة شديدة القسوة على كافة المستويات، صحيح أنها لم تفسر أي شيء، ولم تحك أية تفصيلة لكن الأسى كان يغلف كل مسامها، كانت تمسك بمجموعة من الأوراق وتحتضنها، لم تأخذ من كوب الشاي رشفة واحدة، وقفت وهي تكرر كلمتها المؤنبة " أنت السبب "، ومشت، تساقطت من يدها بعض الأوراق، ويبدو أنها لم تنتبه لها، أمسكتُ مفاتيحها التي نسيتها هي الأخرى على المكتب ولملمت الأوراق المتساقطة ولحقتُ بها على باب الشقة وقدمتها لها، مازالت نظرتها لي شديدة العمق والأسى والتأنيب، التقطتها كيفما اتفق وهبطت السلالم .
سارعت إلى الشرفة، لمحتها تسير بمحاذاة العمارة، ثم التفتت يسارا وتفادت السيارات وعبرت إلى الرصيف الذي يقسم نهري الشارع، انتظرت قليلا وسارت باتجاه الكورنيش ومشت في اتجاه الذاهب إلى شبرا، نظرت إلى سيارتها في الحارة التي تفصل بين العمارة التي بها مجلة " القاهرة " وبناية دار المعارف، كانت السيارة مرصوصة في مكانها المعتاد، نظرت إلى الكورنيش لمحتها سائرة بين جذوع الأشجار والعشاق وباعة حاجات العشاق، كانت الأوراق تتساقط من يدها ولا أحد يجمعها لها، اندهشت، إلى أين هي ذاهبة ؟ ولماذا تترك سيارتها وتمشي بكل هذه اللامبالاة ؟ .
ظللت أمد رأسي كي لا تغيب عن ناظري، ولما أصبحت الرؤية غائمة فتحت مكتب الدكتور غالي شكري رئيس التحرير، من بلكونة مكتبه تصبح الرؤية أوضح، فلمحتها أحيانا بكامل جسمها، وأحيانا تخفيها جذوع الأشجار والعشاق وباعة حاجات العشاق، فلا أرى إلا رفيف ثوبها الأصفر المشرب بالبرتقالي الشفيف، كانت الأوراق مازالت تتساقط ولا أحد يهتم بها، حتى اختفت تماما عن ناظريّ .
لمدة أسبوع كامل ظلت عربتها في مكانها وبعدها اختفت، سألت سايس المنطقة عن السيارة أو صاحبة السيارة، فأخبرني أنهم دائما يتركون سياراتهم بالأسابيع وأحيانا بالشهور ثم يأخذونها، وأن الأمر كله يحتاج إلى تدخل من الجهات العليا المنظمة لحركة وقوف السيارات حتى يتسنى للسُّيَّاسِ أن يكون لديهم مرجعية حقيقية لكل سيارة تركن .
ظللت أبحث عنها كثيرا في جميع الأماكن التي يمكن أن تتواجد فيها فلم أعثر عليها، الشاعر الصديق سعدني السلاموني أحد عشاقها سألني عنها، أين ذهبت ولماذا اختفت ؟ فلم أعرف بماذا أجيبه، نادل نقابة المحامين المهذب الخلوق الذي كان حبها جمرات تكوي حشاه ليل نهار قرر أن يترك عمله ويبحث عنها في أرجاء المعمورة كلها، جذوع أشجار كورنيش النيل والعشاق وباعة حاجات العشاق سألوني : وهل انشقت الأرض وابتلعتها ؟ .
الذي لن يتاح لصحابتي أبدا أن يعرفوه، أنها عندما ذهبت من مطارحنا شفطت معها كل الأوكسوجين المصروف لنا على حواف المقاعد والجدارات وحكايا آخر الليل، لذلك ضاقت صدورنا كلنا، وتعلقت في الحلوق غصة تُضَيِّقُ علينا حتى الشهيق والزفير، انقبضت روحي وأصبحت كأنني مخنوق في صحوي ونومي، " س . ح " الذي كان لا يغادر مقاهي وبارات وسط البلد والذي كانت ضحكته تجلجل آناء الليل وأطراف النهار والذي لم يكن يُرى إلا في حشد في الرفاق، ترك القاهرة كلها وعاد إلى بلدته ولم يعد أحد يراه إلا كل حين ومين غير ضاحك ولا بشوش وصار يمر وحيدا ويجلس وحيدا ويشرب وحيدا ويسافر وحيدا، مهدي مصطفى الذي كان أحد أهم ملامح الحركة الشعرية الجديدة وصاحب نفس شعري مفعم بالنوستاليجا والذي كان يراهن عليه نقاد الشعر وقراؤه كفر تماما بالشعر بل وبالثقافة كلها وعمل محررا سياسيا في الأهرام العربي وهو لا يعرف أن الثقافة أكثر رحمة من مقالب السياسيين وتقلبات السياسة، هشام قشطة صاحب مجلة " الكتابة الأخرى " إحدى أهم المجلات الأدبية في نهاية الألفية الثانية، أغلق مجلته وجلس فاتحا عينيه على أوهام خيالات الفرح المستحيلة، سمير عبد ربه ترك حسابه عند جميل وترك القاهرة وهاجر إلى البحر الأحمر والغردقة وبلاد ليس له فيها صحابة يغلبونه في الطاولة، أحمد يماني هاجر لبلاد الفرنجة وتزوج من سلالاتهم النحيفة، إبراهيم فهمي وأسامة خليل ماتا ميتتين عبثيتين يعجز حتى صومييل بيكيت على تخيلهما، أحمد طه جلس في داره تاركا غبار الأصدقاء وتصاوير النشيد، مجلة " القاهرة " أغلقت بالضبة والمفتاح وأعادنا الدكتور سمير سرحان لهيئة الكتاب بلا عمل ولا مكاتب ولا أجر، مقهى زهرة البستان الذي كان محلنا المختار والذي شربنا فيه شايا وينسونا وقهوة سادة بعدد شعر رءوسنا احتله الخرتية وعشاق الجامعة الأمريكية وأصبح يقدم لزبائنه زبادي خلاط وحمص الشام وأرزا باللبن، انقلبت الدنيا كلها رأسا على عقب، وضاقت الصدور، ومازلت حتى الآن كلما مررت على كورنيش النيل أقلب عينيّ بين جذوع الأشجار والعشاق وباعة حاجات العشاق، علني أرى رفيف ثوب أصفر مشرب بالبرتقالي الشفيف، ترتديه سيدة تتساقط الأوراق من يدها ولا أحد يهتم بجمعها لها .
===================
السمّاح عبد الله
===================

التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.