الرئيسية » » قصة قصيرة/ اختيار | فكري عمر

قصة قصيرة/ اختيار | فكري عمر

Written By هشام الصباحي on الجمعة، 19 سبتمبر 2014 | 9:20 ص

- يا أولاد المجانين!

نطقتها المرأة الأربعينية وهى تبص بعيون مذهولة، كذلك نطقها العابرون بنبرات مختلفة. اصطنع بعضهم مشكلة ما فى حذائه أو قميصه؛ ليقف ويراقب ما يحدث مثلما فعلت. فى هذا الزمن الغريب يحدث ما يحدث أمام عيوننا! الشاب على كوبرى حديقة الهابى لاند المواجه للمارة، التى شيرت الأسود محبوك على عضلاته البارزة، شعره الطويل معصوب للخلف، والفتاة مراهقة. نهداها يندفعان فى البلوزة الصفراء الفاقعة التى ترتديها. جالسة على السور الحجرى الأبيض، والشاب يلف يديه على جنبيها فتطرح رأسها للخلف. تنشر ضحكتها العالية فى الأسفل نحونا، نحن من اهتزت منا الأوتار والعظام من النشوة، والخوف، والانزعاج. وحدهما غير آبهين بما حولهما.. بعيوننا المُصَّوبة، بالأضواء الليلية التى بدأت تشتعل على الأعمدة فور أن هبطت الشمس وراء الأبراج السكنية، وكذا بأضواء السيارات الكثيفة.

ليس غريبًا أن ترى شابًا يضع يده على كتف فتاة وهما يمشيان على كورنيش نيل المدينة، أو يطبع قُبلة على خدها فى خفية من الجميع، لكن أن يُقَبِّلها فى رقبتها وصدرها هكذا أمام الناس!

حملها الولد بعد قليل على يديه وهو يطوحها بمرح. كأنهما فى حجرة نوم، فيمايطبع قبلات على شفتيها، من بعيد نسمع الضحكات وكأنها صفعات على أقفيتنا.

- لِيه؟

- هما أحرار.

- أحرار إزاى؟ فيه أخلاق وقِيم.

- يا جماعة الحب يعمل أكتر من كده.

- حب إيه وزفت إيه؟ دا ضحك على دقون البنات.

- شكلكوا معقدين.

- هو الأدب بقى عُقد!

- دول عايزين الجَلَد.

- فين شرطة الآداب؟

- هو عاد فيه شرطة مرور أصلًا مظبوطة؟! آدى الحرية والزفت.

- محدش يقول الثورة هى السبب، مش كل مصيبة تحصل تلزقوها فى الثورة.

- سيبك.. دول عيال صيِّع مصيرهم التشرد.

- هي السبب.

- الحد.. يتجلدوا أو يترجموا قدام الناس.

- انتوا عِبْط.

طاااااخ.. واشتعلت المواجهة فى الأسفل. الشرطى الوحيد الذى كان ينظم المرور فى الدوران ابتعد بضعة أقدام وفتح جهاز اللاسلكى ليتحدث. الوجوه المكفهرة ازدادت غضبًا. أما وجوه الفتيات فازدادت احتقانًا، وانكسرت منهن العيون، بعض النسوة ممن كن يسمعن الحوار دون أن يتدخلن مع زميلاتهن الثائرات نحين وجوههن المشتعلة حُمرة فى اتجاهات أخرى..

- احنا بنفسنا نروح نأدبهم، بدل الحرس اللى واقف هناك أو مش واقف؟!

- أنتوا مالكوا، كل واحد حر.

- حر دا فى بيت أمه أو أمها، مش قُدام الناس. دا شغل شياطين.

الوجوه يعلوها تراب الغضب، والخوف.. المواجهة تسكت فى مكان وتشتعل فى آخر،والشاب والفتاة اختفيا عن الأنظار وهما يهبطان من الممشى العالى للحديقة؛ ليدخلامن إحدى الممرات، ويتواريا بعد ذلك خلف حوائط خشبية، بينما أصوات ضحكات الفتاة ترج حوائط الجميع، وتفتح مسارات الغضب، والشهوة التى وجدت لها طريقًا فى معركة حاميةدخل الجميع فيها، ولم يخرج منها أحد ممن وقفوا فى الأسفل سالمًا.

 

فكرى عمر

16/5/2013م




التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.