الرئيسية » » عقل العويط | هذا الرأي العام الخسيس حقاً

عقل العويط | هذا الرأي العام الخسيس حقاً

Written By Poetry Bookeg on الأربعاء، 25 فبراير، 2015 | 9:41 ص

"... وتعرّفتُ في اللجنة إلى ذلك البغل الذي اسمه الرأي العامّ، الذي تسوقه أيّ عصا، وينقل الثقيل من الأحمال لا يدري ما هي، ولا يفهم من أين أتى ولا أين سائر". ("متى تبدأ الأعمال؟"، من كتاب "أنا والتنّين" لسعيد تقي الدين)

هذه المرّة، لن تكون الأخيرة: سنظلّ نعتبر ثقافة الحرية باباً من أبواب الخلاص الفردي والوطني. وسنظلّ نرفع راية هذه الثقافة بالذات، حتى الحبر الأخير. لكنْ، هل من خطّة، هذه المرّة؟ نعم، هناك خطّة: التصويب على الرأي العامّ. لكننا لن نكتفي هذه المرّة، بأن نكون شهوداً ضدّ هذا الرأي العامّ، الذي هو، في رأينا، المسؤول الأول والأخير عما آلت إليه أحوال البلاد والعباد، والذي سمّاه أديبنا الوطني الكبير سعيد تقي الدين "بغلاً". "سنتورّط" مباشرةً في محاربة هذا الرأي العامّ، الذي كان في مقدوره، لو وعى، ولو أراد، أن ينقذ بلادنا وينقذ حياتنا من الذين يستولون عليهما، ويجعلونهما رهينتَين رخيصتَين في سوق الدعارة اللبنانية والعربية والعالمية. لكنْ، ما لنا ولضمير الغائب. فلنستخدم ضمير المخاطبة!
أنتَ، أيّها الرأي العامّ، المكتفي بالشعير والزؤان، المبرمَج، المتفَّه، المسترخَص، المسترخِص ذاتكَ، اللاهث وراء موتكَ الذليل البطيء، المتعمشق بالغرائز وفنون الاستعباد والجهل والتفاهة وقلة الأدب واللامعنى، المهشَّل من قيمكَ، المرتعب من وجدانكَ، الباحث فقط عن عصا تلسع ظهركَ، أو مسّاس يخزكَ، وأيضاً عن قشرة موز للسترة، بل عن لا شيء؛ نريد أن نتحدّاكَ في عقر معلفكَ، وندخل عليكَ في عزّ قيلولتكَ العقلية، ونحطّم زجاج طمأنينتكَ التافهة. نريد أن نضعكَ غصباً عنكَ، أمام قصاص الهجاء، وتأنيب العقل، والروح، والوجدان. نريد تعذيبكَ، والتنكيل بكَ، وترهيبكَ، و"إجباركَ" على العودة، إلى حيث يجب أن تعود.
كيف؟ سنقاتلكَ باللحم الحيّ. اللحم الحيّ عندنا، هو الكلمة التي لا تهادن، بل تنكأ وتفضح. فلا خلاص لكَ منّا، أيّها الرأي العامّ. لن نسمح لكَ بأن تنام. ولا بأن تحلم. ولا بأن تشخر. سننغّص عليكَ تفاهتكَ. سنقضّ مضاجعكَ ليلَ نهار. وسنلاحقكَ حيث تكون. تحت سابع أرض، وراء سابع غيمة وسماء. ولن يكون لكَ مفرّ منا.
المعركة هي بيننا وبينكَ أيّها الرأي العامّ. وها هي وقائعها ومعطياتها: هذا الاستغراق في التطنيش، في الذلّ، في الطائفية، في المذهبية، في القطيعية، في التواطؤ، في الصمت، في الكذب، في التكاذب، في التفاهة، في الرخص، نريد أن نضع حدّاً له. المستنقع الذي أنتَ فيه، نريد تجفيفه حتى آخر نقطة.
المعركة الجوهرية، هي بيننا وبينكَ أيّها الرأي العامّ، وليست فحسب، كما هي عليه في الواقع والظاهر، بيننا وبين طبقة راكبي ظَهركَ ومزوِّري حقيقتكَ والسرّاق والقتلة والسياسيين والصيارفة ورجال الدين.
هؤلاء الذين يمتطونكَ، ويستولون عليكَ، ويستخدمونكَ، ويوظّفونكَ، ويستثمرونكَ، ويستغلّونكَ، ويثيرون فيكَ أبشع أنواع الغرائز وأحطّ الانفعالات، هؤلاء، معركتنا هي ضدّهم، ولا بدّ، لكنّها، في المدى الآني، وفي المدى البعيد، هي معركة ضدّك، أيّها الرأي العام، لأنك وحدك تستطيع أن تهزم هؤلاء. وستظل المعركة مفتوحة... إلى أن تعود إلى ذاتكَ.
معركتنا معكَ أنتَ، أيّها الرأي العام، وهي ضدّكَ تحديداً. وعليه، سننتف جلدكَ نتفاً، وجلد مازوشيّتكَ وأقنعتكَ وأصنامكَ. ولن تكون لكَ ورقة توت تتستر بها. لكَ عندنا صدق القسوة فقط. ومرارة السوط. لأنكَ تحبّ الإهانة. وتعبد الاستعباد. وتهوى أن تكون قطيعاً. ونحن نريدكَ حرّاً عزيزاً كريماً.
قد تكون هذه الطريقة في مخاطبتكَ، والتعامل معكَ، أيّها الرأي العامّ، وقحة للغاية. وربما أحياناً ظالمة ومتجنّية، لأنها تأخذ الصالح بالطالح، ولا تميّز بينهما. صحيح. سَمِّ، طريقتنا الوقحة والظالمة والمتجنية هذه، بما شئت. سُبَّ القائمين عليها والمشاركين فيها. ارشقهم بالبندورة والبيض، عندما تصادفهم في الشارع والحيّز العام. فليكتب زعرانكَ ومرتزقتكَ رسائل هجاء ضدّنا على مواقع التواصل الاجتماعي. وامتنع عن قراءة ما نكتب. لكننا لن نتراجع.
أما المظلومون من بين أعدادكَ الغفيرة، وهم كثرٌ على قلّتهم، فليرفعوا أيديهم احتجاجاً، وليجهروا بأصواتهم، ولننضمّ، بعضنا إلى البعض الآخر، في معركتنا جميعاً ضدّكَ، أيّها "الرأي العامّ البغل".
الرأي العامّ، الذي لا تحرّكه صراحةٌ نقيّة، صادقة، من هذا النوع، فليذهب إلى الجحيم، أو فليحرّك ضدّنا جحافله، ووسائل إعلامه، المكتوبة، والمسموعة، والمرئية، التي تعبد إله التكاذب والتفاهة والرخص والعبودية والغريزة والقتل المعنوي والمادي للكائن البشري.
الشعبوية، قلة الأدب، الرخص، التفاهة، قد تكون "مستحبّة" حيناً، من أجل الاسترخاء، لكنها عندما تصبح هويةً جمعيةً، يُعرَّف بها الرأي العامّ اللبناني، يجب إعمال السوط في قطعانها، وطالبيها، ومريديها، واللاهثين وراءها.
لا مفرّ من هذه المعركة ضدّكَ أيّها الرأي العامّ. ولن يجفّ قريباً حبر هذه المعركة.
أما الذين يضحكون في سرّهم، لأن سهامنا لن تكون موجَّهةً إليهم، فسنظلّ نصليهم ناراً حامية، إلى أن يحترقوا في نار جهنّم. وبئس المصير.
* * *
قد يسألنا سائل: ألستم مخطئين في توجيه السهام إلى صدر الرأي العامّ؟ أليس في هذه الخطة ما يُعمي عن الهدف (المجرم) الحقيقي؟ جوابنا هو الآتي: نصوّب في اتجاه الرأي العام، لأن معركتنا هي ببساطة، معركة الثقافة، ثقافة الحرية. وقد تربّى الرأي العام، في الواقع العملي للأمور، على أن يكون ضدّ ثقافة الحرية، وبديهياتها. فمن شروط ثقافة الحرية، أن يتكوّن الرأي العامّ من مواطنين، وأن يكون المواطنون كاملي المواطنة، لا قطعاناً، ولا مرتزقة، ولا ملحقين فحسب بطائفة أو قبيلة. وأن يكونوا أحراراً، غير قابلين للمساومة، ولا للخنوع، ولا للارتزاق الذليل.
هل عندنا مواطنون، في هذا المعنى؟ لن نندم إذا قلنا – من دون تعميم طبعاً - بعدم وجود المواطنين. مَن كان مظلوماً، أو مهاناً، بهذا التعميم غير المقصود، فليرفع إصبعه، وليجاهر بمواطنته، وليشهر حربه الطويلة الأمد، المعنوية، المنظّمة، المنهجية، غير المنفعلة، التي لا هوادة فيها.
في حضور المواطن، يكون عندنا رأيٌ عامّ يؤمن بثقافة الحرية. من بديهيات هذه الثقافة، أن لا تقبل أيّها المواطن (تالياً الرأي العامّ) أقلّ من ممارسة حرياتكَ كاملة، ومنها حرية أن تنتمي إلى دولة الحقّ والقانون، لا دولة الزعران والطوائف ورؤوس الأغنام والماعز الكبيرة، ومنها حرية أن تكون مصوناً ومحمياً، وإن أنتَ فوق (أو خارج) الطوائف والأحزاب والجماعات، وأن تكون ذاتكَ، بأبهتها الأنيقة الكاملة.
وأن تكون لكَ دولةٌ ترعاكَ، وقانونٌ يحميكَ، ومستشفى لائق، وطبّ ودواء مجانيان. وأن تكون لكَ مدرسةٌ رسمية مشرِّفة، وجامعةٌ وطنية لا يتسلط عليها ولا يديرها موظفون أو مرتزقة ملحقون بطوائف، بل أساتذة خلاّقون مستنيرون طليعيون، وأكاديميون مفكرون وأدباء وعلماء.
وأن تتمكن أيّها المواطن من أن تعمل بكرامة، وتتجوّل بكرامة، وتعود إلى بيتك بكرامة، وأن لا يضطر أبناؤك إلى الهجرة بحثاً عن الأمن والأمان والكرامة والحياة السعيدة.
وأن تعيش حياتكَ بكرامة. وأن تموت موتكَ بكرامة.
لا ثقافة للحرية عندنا، لأن ليس عندنا مواطن. لو كان عندنا مواطن، لفرضنا بسلطة الإضراب العام، المدني المواطني المفتوح، رئيساً كريماً للجمهورية!
وحدكَ أيّها المواطن (تالياً الرأي العامّ) تفرض رئيساً للجمهورية.
وحدكَ أيّها المواطن (تالياً الرأي العامّ) تفرض على حكومتكَ أن لا تكون موزّعة الولاء على دول قريبة وبعيدة، وأن لا يكون مجلس الوزراء صورةً عن حروب تجري وقائعها هنا وهناك، وأن يكون مجلس النواب تعبيراً عن إرادة الشعب الوطنية، لا تقاسماً بين الطوائف والولاءات الداخلية والخارجية.
وحدكَ أيّها الرأي العامّ، تنتزع حقّكَ في الزواج المدني، وحقّ المرأة والطفل والشباب في الكرامة الكاملة.
هذه هي مكوّنات ثقافة الحرية. ومن مكوّناتها أيضاً أن تكون أيّها المواطن (تالياً الرأي العامّ) حارساً للقيم والقانون، وأن تفتح حرباً لا هوادة فيها ضدّ التخلف والقطيعية والاستبداد والاستيلاء والاستعلاء والترهيب والغرائز والظلاميات، وضدّ شراء الذمم وبيعها، وضدّ الفساد، وضدّ سرقة المال العام.
ليس عندنا أنتَ، أيّها المواطن، لتتجسّد هذه الثقافة. فكيف يكون عندنا رأيٌ عامّ يدافع عن هذه الثقافة، ويحمل أعباءها؟
ربما يتساءل البعض عن "خفايا" هذه الافتتاحية، ليعرف هل ثمّة وراء الأكمة ما وراءها، في توجيه معركتنا ضدّكَ أيّها الرأي العامّ؟ الجواب بسيطٌ للغاية: لأنكَ، أيّها الرأي العامّ، خسيسٌ حقاً، ولأنكَ لا تفعل شيئاً لاستحقاق هذه الثقافة، ولجعلها قانوناً مطلق الصلاحية فوق الأرض اللبنانية. أنتَ لا تطبّق شيئاً من بديهيات هذه الثقافة، لأنكَ غير موجود. أنتَ لا تفعل شيئاً البتّة. بل على العكس من ذلك، تمعن في قتل هذه الثقافة، وفي تأبيد استحالتها، وفي تيئيس المواطنين الكرام الشرفاء القلائل، من خلال رضوخكَ لكلّ ما يتناقض وحقوقك وكرامتك ومواطنتك.
* * *
نعرف أن هناك مواطنين كاملي المواطنة، وأنهم يفعلون ما لا يُفعل لكسر مقولة "الرأي العام البغل". إلى هؤلاء، إجلالنا الكامل. عندنا وإياكم، أيّها المواطنون النبلاء، خطّة واحدة، وهدف واحد: فلننظّم الخطة، ولنصوّب بمنهجية، بحكمة، بصبر، وبتؤدة، لئلا يطيش الهدف!
هنا بيتٌ لكم. وهو وسيعٌ للغاية!



التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.