الرئيسية » » جولان حاجي: الخريف هنا ساحرٌ.. ويائس | محمد ديبو

جولان حاجي: الخريف هنا ساحرٌ.. ويائس | محمد ديبو

Written By Poetry Bookeg on الأحد، 22 فبراير، 2015 | 7:41 ص

بجرعة هائلة من اليأس المطبق على العالم الداخلي للذات، يدخلنا الشاعر السوري جولان حاجي (1977) مناخات مجموعته "الخريف، هنا، ساحر وكبير" الصادر باللغتين العربية والإيطالية عن "دار إل سيرينتي". فبخلاف العنوان (ساحر وكبير)، تبدو سكك الكينونة "صلباناً من عيدان الثقاب وعظام الأطفال"، حيث اللمسة "يبست في الكف" والحياة تطوى "كمنديل مستعمل في جيب بائع جوال".

حياة محاصرة بالموت الذي يلقي بظلّه على أجواء المجموعة دون أن يكون حاضراً كموت فيزيائي، بل يحضر عبر الانتهاك واليأس والضغوط والخارج الذي يثقل على الذات فيحوّلها إلى شبح لا يحظى بترف الموت ("إذا دفن الموتى/ كيف سيدفن الألم؟")، وحيث النجاة من الموت لا تعني إلا العذاب.

الفقد واليأس نراهما واضحين في عناوين القصائد التي تأتي على تضاد مع عنوان الديوان الرئيسي، "العنوان ـ الأب"، فتنسفه وتسعى إلى قتله، بدءاً من "أعشاش فارغة" مروراً بـ"فقاعة" و"رماد الشجرة" و"حسرة الطفل" ووصولاً إلى "صندوق الألم"؛ عناوين تتماهى مع موضوعها من جهة، وتعكس ضيقها من إهاب العنوان الأكبر الذي يقسرها الشاعر داخله، من جهة أخرى.

الذات القلقة، الفاقدة هويتها، الباحثة عن معناها ومعنى العالم الذي تعيش فيه، تبدو محور كل شيء، إذ يرى حاجي الكون من خلال ذاته، حيث "القلب يرى واللمسة موجة"، فتهرب الذات من العالم الخارجي نحو عوالمها الداخلية باحثةً عن.. ذاتها، مدركةً أنّ العالم قيد، وأنّ "الآخرين هم الجحيم". من هنا هروب الشاعر، فمَن "لمسني انتهكني"، وفي "خارجي نصل شاحب يغفو فيه ما سيأتي".

هكذا تتكوّر الذات على أجزائها ويغدو العالم ذاتاً، فبين الأضلاع "تطفو الصخور"، وتجلس "الظهيرة بين كتفي"؛ ويحاول الشاعر بناء عالم ذاته الداخلية بمعزل عن العالم الخارجي، حيث "الكون أرحب من القبر" و"ألواح النجاة أغطية توابيت".

خارج الفقد واليأس والخراب المعمّم، وحده "النيروز" يطلّ كضوء يشعّ في أجواء الشاعر، لكنه، رغم ذلك، يأتي كـ"حاضر ضيّق حيّ"، وأخت خلفها "يحلق الموتى ذقونهم".

هذا العيد الكردي الحامل للفرح يأخذ "الكردي الجَسور" الذي صدمته الشاحنة في الثانية ليلاً إلى حيث "سيفتح القبر جناحيه الدافئين"، مختصراً سيرته بين مُعاش البؤس حيث "حياتي أقصر من خطوتي" والقبر الحنون.

على طول الديوان، يهرب حاجي من الكون باحثاً عن حياته من دون أن يحظى بها، مكتشفاً أنها مجرد "فقاعة": "لم يحدث شيء في حياتي التي تنقضي/ لم تحدث حياتي". حياة عبرت كـ "النقطة في وسخ البياض".

يتمكّن صاحب "نادى في الظلمات" في نصوصه القصيرة من الإمساك بخيوط قصيدته وإدارتها، مكثّفاً ومقطرّاً إياها في لغة شفّافة، حادّة، باترة، تأخذ القارئ إلى حيث المعنى صافياً، بلا رتوش؛ في حين يطغى على القصائد الطويلة، مثل "الخريف هنا ساحر وكبير" و"أنا كردي جَسور، كان يقول عندما صدمته الشاحنة في الثانية ليلا"، سردٌ طويل ومملّ أحياناً.


التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.