الرئيسية » » شاعر حرب | محمد بنميلود

شاعر حرب | محمد بنميلود

Written By Hesham Alsabahi on الأربعاء، 10 سبتمبر 2014 | 3:54 ص

وجدت أحد الشعراء يتباهى كثيرا بمشاركته في الحرب، يعتبر ذلك بطولة كبيرة، وشأنا عظيما، ومزية نادرة يفتقدها الشعراء الآخرون. لا يعرف أن الجنود يشاركون كل يوم في الحرب، بنفس الطريقة التي يذهب بها نجار إلى الورشة، يذهب الجندي إلى الحرب، دون أي عبقرية تذكر، أو تميز، بل بكثير من البلاهة التي يعجز عقل سليم عن تحليلها. يذهب إلى الحرب ويعود سالما، يا للدهشة! لقد عاد من الحرب! لا يذهب إلى الحرب ليصير بطلا، بل ليحمي نفسه من رصاص العدو ومن رصاص الأصدقاء الطائش وليفرغ بندقيته كيفما اتفق في اتجاه أشخاص ليس بينه وبينهم عداء مسبق، ولا حتى معرفة مسبقة. 
ينتظر إعلان الهدنة ليحتفل مع الناجين بشرب البيرة والتمايل قرب أبواب المواخير بالزي العسكري غير النظامي، دون قبعة أو بمعطف عادي فوق البزة الخضراء، أو بالحزام العسكري مثنيا في يده. 
إنهم جنود آخر زمن، المنفذون لأوامر جنرالات نحيفين بعين واحدة وبلا قلب، يجلسون فوق الكراسي الهزازة بنظرات حديدية إلى الشفق الرومنسي، في حدائق القصور وحدائق الفيلات العسكرية المحروسة بالكاميرات وبالصواريخ، يتأرجحون فوق تلك الكراسي بطريقة سينيمائية جافة من المشاعر، يدخنون السجائر الطويلة ذات الفيلتر الذهبي ويخططون لتدمير العالم، لدفع الجنود فيلقا بعد فيلق إلى الحرب دون مبررات مقنعة. 
هذه هي الحرب، عمل الذين لا عمل لهم، لا تتطلب الشجاعة ولا الإقدام ولا النبل، بقدر ما تتطلب رأسا صلبة بحجم البطيخة مضادة للرصاص وللتفكير، رأسا حديدية عوض خوذة. إننا نعرف من هم الجنود، إنهم يسكنون في كل مكان، موجودون أينما ذهبت، في كل مكان في العالم، عددهم يفوق عدد الذين ليسو جنودا، عددهم بعدد رمال الصحاري وأوراق الشجر وقطرات المطر الغزير الحمضي غير النافع، عددهم لا يحصى، وهذا يفقدهم أي قيمة أو تميز، يفقدهم أسماءهم، ويجعلهم مجرد أرقام سخيفة في عداد الموت، كأرقام طويلة في شيك سبق صرفه من سنوات، كأرقام بلا نهاية لأموال كثيرة متوهمة في أحلام الفقراء.
هذه هي الحرب التي حين تشارك فيها عليك بعد ذلك أن تكتب الشعر بخجل وليس بفخر. أما أن تظل تعاني نفسيا من أثر الموت والقتل والجراح التي رأيت، ومن فقدك لرفاقك أمام عينيك، ومن رؤيتك المستمرة لقنابل تنفجر بك في الكوابيس وشاحنات ملتهبة تتبعك في ماء الأحلام كسرب الدلافين النارية آخذة شكل طلقات من غواصات حربية، فأفضل لك أن تذهب إلى مصحة لتعالجك بالتنويم المغناطيسي والصعق الكهربائي، وليس أن تشرب كل ليلة عشر تنكات من البيرة وقنينة ويسكي دون ثلج وتفتخر علينا بالكوابيس في قصائدك وبراتب المساعدات الاجتماعية الهزيل الذي تتصدق عليك به بلاد الثلج بعيدا جدا عن قبور أصدقاءك، عوض أن تعترف أنك شاركت في مهزلة كبيرة، اسمها الحرب. 
وهي ليست حتى حربا عظيمة من أجل هدف عظيم. لقد شاركتَ ما يزيد عن عشر سنوات في حرب غير مشرفة لأحد بين دولتك المتخلفة السنية ودولة أخرى متخلفة شيعية، أكثر من عشر سنوات ولم تفطن ولا مرة طيلة تلك السنوات إلى أنك كنت هناك حمار الطاحونة الصغير، بيدق الشطرنج الذي يكون في المقدمة دون رتبة ودون نياشين، يُدفع أولا لينتهي أولا في تجريب مجاني لأمزجة الجنرالات والقادة. 
حين تنضبط طيلة عشر سنوات في حرب سخيفة كتلك، لن تستطيع خداعي أنك تحولت الآن إلى شاعر ملهم في قصيدة النثر. هذا يشبه تحول قطعة الحديد الصماء بسبب الريح إلى ريشة.
هناك حروب أخطر من حمل السلاح والذهاب إلى الجبهة يا رفيقي، حروب أكثر دمارا وضراوة، ولا تنتج أبطالا ولا مخلّصين ولا خطابات جماهيرية مؤثرة، تنتج فقط عيونا جاحظة أمام الحقيقة. حروب بلا انتصارات. 
لقد دخنتُ ذات مرة جرعة مضاعفة من الحشيش السيء، كنت تلميذا في الثانوي، وكانت الأيام جميلة كالبنات المنمشات. 
بسبب تلك الجرعة فقط، بسبب قطعة الحشيش الصغيرة والتافهة تلك، في مساء صيفي حالم، وفي جو أسري دافئ، في غرفتي المزينة بالبوستيرات وتماثيل العرعار البراقة لآلهة إفريقية عريقة، بسبب النشوة فقط والموسيقى الجيدة والحب العذري المبكر، بسبب قطعة حشيش صغيرة مغشوشة، طيلة عشر سنوات عشتُ حربا لن يستطيع الخيال وصفها، حربا يستحيل وجودها في الواقع، حربا ضد عقلك وروحك ووجودك من الداخل وليس من الخارج، ضد أناك، وليس ضد الآخرين، حربا بلا رحمة وبلا هدنة وبلا معنى، ضد الهلوسات والجنون والاتزان، حربا لايمكنك فهم خطورتها بكلمات ولا بأوصاف، بل فقط بتدخين تلك القطعة الصغيرة والسخيفة نفسها من الحشيش المغشوش. 
حربا سرية مروعة وطويلة الأمد كحرب عملاء المخابرات الأذكياء جدا في مدن بعيدة مقفرة بلغة غريبة وبكثير من الطعنات المفاجئة في الروح، عملاء المخابرات المزدوجين الأكثر خطورة في العالم، الذين يخدعون رؤساءهم ومرؤوسيهم، الذين يموتون بصمت وتكتم دون مجد ودون إفصاح عن شيء سوى عن حبهم لأشياء غامضة كالطوابع البريدية المرسوم عليها سنابل وخنافس أو كالمقامرة على سباق الكلاب، رجال المخابرات الإنطوائيين العطوفين على القطط، الذين تكون جنازتهم صغيرة وبسيطة ومجهولة في ضاحية هادئة في الريف بورق شاحب من الصفصاف العالي يتساقط فوق توابيتهم ذات الخشب الكتيم، ودون وصية، جنازة رجال المخابرات المزدوجين، الذين نستطيع قبولهم وحدهم من بين كل ترسانات الحرب وجنودها وقادتها وقوادها وقواديها وبيادقها، شعراء لقصيدة النثر، في نهاية التجسس.

التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.