الرئيسية » » في ذكري رحيل خيري شلبي | حمدى عبد الرحيم

في ذكري رحيل خيري شلبي | حمدى عبد الرحيم

Written By هشام الصباحي on الأربعاء، 10 سبتمبر 2014 | 2:49 م

في ذكري رحيل خيري شلبي 
كان عماد الدين حسين يعرف محبتي لكتابات صلاح عيسى ، فقال لي ذات ليلة بعيدة :" طنش جامعتك بكرة واطلع على نقابة الصحفيين ، زميلنا حمدى رزق هيعمل حوار مع عمك صلاح ، قول لحمدي يعرفك عليه ".
نفذت ما قاله عماد وتوجهت إلى مقر النقابة ، كان مقرًا لطيفًا له طله وأنيقًا في غير تبجح ، أمامه ما يمكن تسميتها تجاوزًا ( حديقة ) ليس بها سوى ثلاث شجرات وأرضيتها مبقعة بنجيل معظمه محترق من العطش .
من الواضح أنني شأن كل محب قد ذهبت مبكرًا جدا، رغم كوني طالبًا بالجامعة إلا أنني تعاملت مع النقابة بوصفها من أملاك الجدود ، قعدت فى الجنينة وطلبت قهوة زيادة ، من عمى اللي نسيت اسمه لكن فاكر تخنه وابتسامته الدائمة .
بعد مرور ساعة من الانتظار ، جاء سامي السلامونى وجلس منفردًا على الترابيزة المجاورة ، لم يكن فى الجنينة أكثر من ثلاث ترابيزات .
قلبي كان يدق من الفرحة ، ضربتين على الرأس يوجعوا ، قدامى سامي السلامونى وبعد شوية هيجي صلاح عيسى ، دا إيه الهنا دا ؟
كنت أراقب السلامونى من طرف خفي ، رأيته يرفع ذيل بنطلونه الجينز وينزل فردة شرابه اليمين ويخرج علبة سجاير كليوباترا سوبر ، لقي علبة السجاير فاضيه فكعبشها وحطها قدامه على الترابيزة ، بص يمين وشمال فملقيش غيري جنبه فبسبسلى 
ـ حضرتك عايزنى ؟
ـ هو فيه غير حضرتك فى أم المخروبة دى 
ـ حضرتك تؤمر بحاجة ؟
ـ بتدخن ؟
ـ أيوه .
ـ طيب هات سيجارة 
يا خرابي على الهنا والسعد هموت من الفرحة ، زى طلقة وصلت لترابيزته وحطيت قدامه باقي علبة سجايري .
خد سيجارة وشاورلي اقعد فقعدت .
ـ اسمك ايه ؟
ـ حمدى .
ـ مش بطال .. صحفي يا حمدى ؟.
ـ لأه يا فندم أنا لسه فى الجامعة .
ـ أمال بتعمل إيه هنا .
ـ مستني الأستاذ صلاح عيسى 
ـ تعرفه ؟
ـ عايز أتعرف عليه 
ـ ليه ؟
ـ أصلي بحب كتاباته وفيه حاجات مش فاهمها في كتابه عن الثورة العرابية هطلب منه انه يفهمهاني 
بعد فاصل ضحك أقرب إلي خشخشة الراديو الخربان قال سامي 
ـ دا أنت راجل تحفة .. أنت فاكر الكتاب بيفتكروا اللي كتبوه .. عموما حاول يمكن أبو الصلح تكون دماغه لسه مخربتش .. أنت تعرفني يا حمدى 
ـ طبعا .. حضرتك الأستاذ سامي السلامونى .
ـ وتعرف عنى إيه ؟
ـ أعرف أنك ناقد سينما كبير بحب كل مقالاته .. أنا بشتري الإذاعة والتليفزيون مخصوص علشان حضرتك وعلشان الأستاذ سعد مكاوى والأستاذ خيري شلبي .
ـ أنت بتعمل إيه تاني غير انك بتقرأ 
ـ ما أنا قلت لحضرتك أنا طالب في الجامعة 
ـ سيبك من حدوتة الجامعة دى وركز في القراية .. لأنك في الحالتين هتفشل 
قال الجملة وهات يا ضحك وخد سيجارة تانية من العلبة .. كنت هموت وأدخن سيجارة بس كنت مكسوف أدخن قدامه .. شوية ولقيت راجل أبيض مشرب بحمرة متين البنيان بشوش الوجه شعره هائش .. إنه خيري شلبي .. لأه أنا كدا قلبي هيقف بجد .. معقولة الناس اللي بيغمى عليا وأنا بقرا كتبهم يبقوا قدامى عادى كدا .. سلم العم خيري علي سامي وشتمه من باب الاصطباحة .. وضحك سامي وشاور عليا وقال :" الولد دا صديقي واسمه حمدى وشغال قارئ ".
ضحك العم خيري ضحكة مجلجلة صافية وقال :" أوعى يا واد تكون بتقرا لسامي بس ؟"
ـ لأه يا فندم وقريت كل روايات حضرتك .
حط أيده على كتفي وهو بيقول :" ماشى الحال يااللا بينا "
قلت في سرى :" ياللا بينا على فين ؟ دا أنا لسه ماحسبتش على القهوة .. وبعدين هروح فين مع العالم دى ".
حرنت كأجمد بغل استرالي ورجليا اتمسمرت في الأرض .
بصللى سامي باستغراب وقاللى :" يااللا يا واد تعالى معانا هنغديك ونسمعك أحلى مزيكا في الكون " .
هنا تتجلي أحط خصائص أولاد الطبقة الوسطى ، أنا بكره أدب القرود بتاع الطبقة الوسطى .. بحب براح البرجوازية وتلقائية العشوائيات .. أنا مكسوف أنى أروح اتغدى أو حتى أقعد مع ناس اكبر منى ميعرفوش عنى غير اسمي الأول مع أنى بعشقهم وبسهر اقرأ كتبهم ومقالاتهم .
أنا لسه واقف بين خيري شلبي وسامي السلامونى .. بصلي عمى خيري وهو بيرفع أيده عن كتفي وقال :" عادى برضه .. بكرة الأيام تعالجه ويبقي زى الفل .. سلام يا واد يا حمادة "
غالبا رديت السلام بدون صوت لجفاف حلقي من كتر كسوفي ورعونتي ، وشفتهم وهمه خارجين من باب النقابة وبيضحكوا .
صلاح عيسى ما جاش يومها .. وبعد يمكن سنتين أو تلاتة مات فجأة سامي السلامونى دون أن أتواصل معه .. وبعدها بسنوات قابلت العم خيري كثيرا وذكرته بهذا الموقف فضحك وقاللى مش فاكر طبعا .. بس يمكن تكون اتعالجت دلوقت .. ثم اهدانى يوما روايته صالح هيصة مزينة بكلمة منه :" إلى عبرحيم كوميديان الصحافة المصرية ".
استكثرت الإهداء على نفسي .. ثم أكرمني الله بكتابة رواية فأرسلت له نسخة مع صديقينا المشترك الكاتب الصحفي خيري حسن .. وليلتها مات خيري شلبي قبل أن تصله النسخة .

التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.