الرئيسية » » كائنٌ وحيدٌ يقبعُ في لوحة.. مؤمن سمير

كائنٌ وحيدٌ يقبعُ في لوحة.. مؤمن سمير

Written By Hesham Alsabahi on الخميس، 9 أكتوبر 2014 | 7:00 ص

كان الزمن هو نهاية تسعينيات القرن الفائت، وكان النقاش في جلسة المقهى محتدماً حول قصيدة لأحمد يماني، حتى أن الجلوس انقسموا فريقين وانضممتُ أنا للمجموعة التي كان على رأسها صديقنا الشاعر فتحي عبد الله، والتي كانت ترى أنه لا أطر مسبقة ومحددة وجامدة تحكم الكتابة الجديدة، وأن وصفة “سوزان برنار” لا تكمن رسالتها إلا في أشكال وأنماط الخروج عليها.

كان يماني قد كتبَ قصيدة نُشرت في إحدى المجلات، أفاض فيها في رسم طقوسه الذاتية، بزاوية نَظَر تبتعد بمراحل عن التوهج والإشراق والحكمية والمجازات الفاقعة بالطبع، كتابة أقرب للحكي أو للسرد البارد الذي تحس معه أنه لا رسالة معينة بالذات، تقصد أو تطمح هذه الكتابة لتوصيلها، اللهم إلا إذا كانت هذه الكتابة، بمجافاتها للرسولية، في حد ذاتها هي الرسالة.

من هذه التفاصيل “التبول” على سبيل المثال.. لا سمو ولا هدفَ كبيراً وعظيماً، ولا مغزى بعمق البحر وبُعْد النجوم وقرب إشعاعات الشمس.. اللهم إلا التواصل الإنساني البسيط المجرد من كل أشكال الهالات.. الصداقة، بين شخصيات عادية وواقعية، من بينها وليس على رأسها ولا مميزاً فيها على الإطلاق، ذلك الشاعر وأشباهه المبدعين الذي خَلَعوا قُبَّعات النور فتنفسوا بشكلٍ أفضل.. شخوص تقابلها حولك في كل مكان وفي كل وقت، لكنها قد تكون وحيدة وبالضرورة.

كان الواقع الثقافي يُصَدِّر أسماء الأصدقاء الثلاثة إيمان مرسال وأسامة الديناصوري وأحمد يماني عندما يتحدث عن جيل التسعينات، ثم تأتي بقية الأسماء.. ذلك الجيل الذي كان ساعتها شاباً وصاخباً وله مناوئون أكبر سناً وأكثر صخباً وقسوة.. ثم رحل الثلاثة، مات الديناصوري، وسافرت إيمان، وسافر يماني، ولكن قصائد أسامة كانت قد بدأت تبني أسطورتها الذاتية وتثبت في الوعي والذاكرة كلما أعيد اكتشافها، وقصائد إيمان وأخبارها تصل إلينا أولا بأول، وكان الدور على يماني الذي أضاف الترجمة إلى جوار نصوص أكثر نضجاً وعمقاً وإنسانية.. ترجمات منتقاة بعناية ومصاغة بطريقة الشاعر الرهيف والحاد معاً والماكر على الدوام.

كان هذا الحراك في القاهرة فقط، أما في باقي أنحاء مصر فكان يصعب عليك أن تجد من يتواصل مع دواوين يماني الخارجة من النشر الخاص ونسخه المحدودة، ناهيك عن قصائده المنشورة غالباً في مجلات تتفق مع ذوقه الخاص ورؤيته، مجلات الهامش، التي تعبر كل منها عن حركة واتجاه يود أن يعيد النظر في الثوابت المتكلسة.

واستمر هذا الغياب إلى أن أعادت مكتبة الأسرة نشر ديوان “أماكن خاطئة” فصرت تتقابل مع من يمدح الجو والتفاصيل الأوروبية التي يلتقطها شخص شديد المصرية والحساسية اسمه أحمد، أو يندهش آخر من التماهي بين الأبيض والأسود لمَّا تظهره هذه الذات الشاعرة والمتشظية بما يعني الاتساع، والمنفتحة على زمان ملتبس يخلق جغرافيته كلما تتبدل أقنعتها ومناخاتها النفسية بالأساس.. يعجبون بالتواصل الذي تم والصداقة التي نَمَت بين أُناسٍ الألفة والدفء والحميمية على بُعْدِ خطواتٍ من ظلالهم.. وكائنٌ وحيدٌ يقبعُ في لوحةٍ تمتلئ بتلالٍ باردةٍ وغربةٍ ذاتيةٍ تشبه الجِلْد المُمَّوه، لا تغادر ولا تغيب.



التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.