الرئيسية » , , , » دارٌنا رحيبة.. ومن أثـــرِ قديم.. | محمود قطز

دارٌنا رحيبة.. ومن أثـــرِ قديم.. | محمود قطز

Written By Hesham Alsabahi on الخميس، 22 يناير، 2015 | 3:42 ص

مشهدٌ ممتد، في فيلمٍ لا اتذكرُ اسمَه، يفتش فيه ضابط البوليس عن أحدِ الأشقياء، الذي يسكن فوق سطوح.. وإذ يداهمُ الضابطُ حجرةَ شابٍ يجلس إلى منضدة، ويسأله: وانت مين؟ فيردُ الشاب: محمود، ليسانس حقوق.. ومؤلف شهير..فيساله الضابطُ: وبتعمل إيه هنا يا محمود؟ يرد الشاب: بألّف وباعزف موسيقى للفراخ، كى تبيضَ بيضاً كثيراً، كما جاء في علم نفس الحيوان.. يقول الضابط: حيوان؟ هه، يسأل محمود الضابطَ: بطاقتي الشخصية تحت، اروح اجيبها، يرد الضابط: لا لا لا خليك.. انت كده تمااام..يقول محمود: تمام تمام.
كل ما اعرفه عن الفيلم انه من بطولة ليلى عُلوى، وهالة صدقي، وإلهام شاهين.. لذا كان ضرورياً أن أبحث عن شرابٍ يُعيدُ لي مساحة الوعى الأولى.. فألّفتُ شراباً عبارة عن كركديه بالليمون مع خمس ملاعق سكر صغيرة.. في شوبٍ كبير..



كان المشروبُ رائعاً وانا أرى هذه الدار التي يحكي عنها شخصٌ ما في الوجود، دارٌ رحيبة.. تجاورُ الشمسَ ولا تُجاورُ النهر، وتجاورُ الحجارةَ ولا تجاورُ الأسماك.. تجاورُ الصَّهد والرياح.. ولا تُجاور الحِناءَ والنخيل..  ومعَ هذا.. مع كلِ هذا، كان في عُمقِ الدار نهرٌ وأسماكٌ، ونخلةٌ.. وشجرةُ حنَّاء.. كان فيها أُناسٌ يضحكون.. كانت فقط من الطين، وجوارَ جدارٍ منها تعريشةٌ من السماء.. صافيةٌ وزرقاء.. كنتُ زرعتُ أمامها صرصاعةً.. كبرت.. ولم أكبر. صارت اطولَ مني بكثير، في الدار أيضاً قطةٌ عجوز.. آليتُ على نفسي الا أُهملُها.. كانت تموءُ فأُطعمُها، وكانت تموءُ، فأسقيها، والساقي هوَ المولى لي ولها.. يا سُبحان الله.. قلتُ عن الناس الذين كانوا يملأون الدار، في نصٍ بعنوان" كانت هُنا ضحكةٌ من القلب"..

كان ضحكا من القلب..
هذا هو العنوان
... وهو القصيدة..
وما يلي وصف مزيد
لضحكة بليدة
فشلت أن تصل إلى القلب
كان فيما كان
أناس لا يخيفهم الفقر،
ويهابون المعجزة
سددوا ما عليهم من هموم..
للشمس والجبال والطريق
وكانوا يضحكون..
ضحكا مريرا وصادقا
.. من القلب
فانقلب الليل على التكوين
حتى صار رمادا
له القدرة أن يتذكر:
كان ضحكا من القلب
***

فهل يتكلم الرماد مثلنا
وهو مثقل برماده المحترق
هل يثق في برائتنا
إلى حد الجنون؟
للرماد آيتان في مفترق بهائنا:
لا تحزن
ولا تترك فرصة للحزن في الهروب
لأنه فيما يبدو:
كان ضحكا من القلب
****
وأنا حزين جدا
لأني لا أحزن
سوى في الظهيرة
حتى الظهيرة التالية
وأترجم وقتي ضحكا
للعابرين الطيبين
كان ضحكا من القلب
***

الفيلمُ ياخذُ مَساراً من العبقرية، والشاب المُحامي، ليسانس الحقوق.. يجرى ببدلةٍ كُحليةٍ في الشارع.ز ويوقفُ ضابط البوليس.. فينهره الضابطُ قبلَ ان يستمع منه، يجري الشابُ بعيداً في رداءٍ فضفاض.. وابتسامةٍ بلهاء.. حقاً اجادَ دوره في الفيلم..لكن لا يأخذني بعيداً عن هذه الدار التي تضحكُ لكل عابرِ سبيل.. حتى قالت عرافةٌ عابرة: إن في الدارِ خيراً كثيراً مدفوناً تحته.. فيما يُشبه الباب والسرداب، والهةٌ متجاورة، جميعها من الذهب الخالص.. آلهةٌ تضحكُ، وأيقوناتِ تضحكُ، وقُضاةٌ يضحكون، وسنابلُ قمحٍ.. وأفئدةٍ، وذئابٍ صاغرة.. وخيولٌ.. ومراكبُ شمسٍ.. كانت بطلاتُ الفيلم في نهايته.. يخرجن من بابٍ واسعٍ إلى بابٍ أوسع.. لابدَ أنهن كُنَّ في شقاء.. فحين بلغنَ أملَهُن، اختفينَ في دوامةٍ من الضوء والدخان القليل..اتفقَ بعضُ الأنفار على حفر الدار مُقابل نصفَ الكنز.. بعدَ تصريفه.. كانت الصرافةُ ستقدره بستةِ مليارات من الدولار الأخضر.. فأبيتُ.. وقلتُ مائةَ مليارٍ.. لا تقلَُ نكلةً.. ساومتُهم.. فرضخوا.. وراحوا يحفرون.. ويحفرون.. كُلما حفروا.. يخرجُ لهم ثعباناً يحرسُ أرواحاً تضحكُ، يغفو الثعبان قليلاً فيأخذُ الحفَّارون قِسطاً من الضحك.. حتى تعبوا من الحفر.. وقالوا: غداً سنكملُ..ويأتي الغدُ ويكملون، فلا يُكملون، ثم غداً، سنكملُ.. همُ ليسوا ماجوجاً.. أو يأجوجاً.. لكنهم فريقٌ مُقابلٌ ينبش أظفاره في هذي الدار الرحيبة.. ويحبُها من قلبه.. لا من جيبه.. هم بعضٌ ممن يعملون في الفاعل.. ويدثرون عرقهم ببهجتها في مُنتصف البرد.. والدارُ تزيدُ رحابةً.. لتستوعب تلكَ النفوس.. تقطفُ زهرَ حنائها.. وتأكلُ تمرَ نخلها.. وسمكَها، وتدفن النوى، والشوكَ، في الرمال..وبها زيرٌ يُشبه النهر.. يُكحت كل صباحٍ باكرٍ بحجرٍ انيق.. فيشرب الفاعلُ والفاعلون.. ويهنأون.. ويضحكون.. في دارنا الرحيبة.. التي سنخرجُ منها ـ حتماًـ إلى الجنة.


والفاعلُ الذي شربَ، وضحكَ وجاهدَ الشقاء.. هو الذي يوافي المُتعبين بهذا الخبر، وقد بددت نصف تعبه غزالةٌ وبعضُ غزالات.. أحببنه من نحافته.. وعينيه الغائرات.. قُلنَ له.. جميعهُنَّ سالنه: فيمَ تفكرُ وأنتَ في ذروةِ العشق: قالَ في دارٍ رحيبةٍ، ومن أثرٍ قديم.. الغزالاتُ يتواعدن.. في اللحظة نفسها معه.. فيذكرهن.. بأنه لن يتوقفَ عن التفكير.. يضحكن من أعماق قلوبهن.. ويبلغن الدار.. الدارُ الرحيبةُ التي من أثرٍ قديم.. التي اتسعت فيما اتسعت للفراشات، وللحشرات الطائرة في منظرٍ جميل.. كُنتُ اصطدتُ واحدةً منهن.. وربطتُ قدمها الضئيلة بخيطٍ ابيض رقيق.. في نهايته زهرةٌ حمراء. كانت الزهرةُ ترتدي تنورةً.. ونصفَ إيشارب، ومعها حقيبةُ يدها.. كانت الزهرةُ تفوح.. والحشرةُ تطيرُ بالخيط.. وتتقاطع في رحلتِها، مع قوسِ قُزح، فارى دوامةً تضحكُ في السماء.. وتهبطُ في أمانٍ إلى الدار الرحيبة.. التي من أثرٍ قديم>
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قُــــــطُـــــز



* اللقطاتُ لتوقيتاتٍ ومواقعَ مُختلفة من الدار
التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.