الرئيسية » , » إشكالية الشعر والواقع فى ديوان: (ماذا الآن أُسمِّيكِ) للشاعر عبدالناصر الجوهرى/دراسة :محمود الأزهرى

إشكالية الشعر والواقع فى ديوان: (ماذا الآن أُسمِّيكِ) للشاعر عبدالناصر الجوهرى/دراسة :محمود الأزهرى

Written By Hesham Alsabahi on الخميس، 22 يناير، 2015 | 4:14 ص

" ماذا الآن أُسمّيكِِ " ديوان شعر فصحي ينتمي لقصيدة التفعيلة الحالمة الرومانتكية  للشاعرالمصري " عبد الناصر الجوهري " والديوان صادر عن  "سلسلة أدب الجماهير "  وتأسستْ السلسلة لمواجهة تعسف دور النشر الحكومية في النشر للشباب من المبدعين وللكبارمنهم وأسس هذه السلسلة المبدع الكبير ورمز أدب المقاومة " فؤاد حجازي  " ومعه مجموعة من المبدعين الكبار والمتميزين ، وقد صدر عن السلسلة أكثر من خمس وعشرين كتابا أدبيا وإبداعيا , أما الشاعر " عبد الناصر الجوهري " فهو شاعرمصري من مواليد الدقهلية إحدي محافظات دلتا مصر ، وهو شاعر و مؤلف مسرحي و صحفي و ناقد, صدر له أكثر من سبع مجموعات شعرية منها : 1- الشجو يغتال الربيع 2- حبَّاتٌ من دموع القمر 3- الشمس تلملم أسمالها 4- لا عليكِ 5- المهرج لا يستطيع الضحك 6- لمن تهدرين شجوني 7- مكلومٌ هدّه الشوق 8- فى الوق واق .
 وهذا الديوان" ماذا الآن أسمِّيكِ " الذي صدر عام 2008م , والديوان يحتوي على سبع وعشرين قصيدة في مائة صفحة من القطع المتوسط , والشاعر في إهدائه يتجلي باحثا عن الغني الروحي والخلود السعيد رغم مؤشرات الفقد وهالات الحزن المسيطرة .
" لولا أنني أعلم أنّ المجتمع المشبع بالأدب مجتمع غني لما عانيتُ من ممارسة الكتابة , ولولا أنني أعلم أنّ الشعر امتداد لما انتظرتُ ميلادا جديدا علني أسمع رناته ليكتمل العزف إلي عصافيري المهيضة " فهنا رجاءأنْ يجد الشاعر صدي لنشيده وأثرا للحنه الذي يهديه لأبنائه امتداده / عصافيري التي يضطر الشاعر لوصفها بالمهيضة لأنها تعيش في مناخ قاس و واقع ظالم ولكن الأمل مازال موجودا ؛ و أول قصيدة في الديوان هي قصيدة " نويْتُ الرحيل ... غدا " و يمكن مِن خلال هذه القصيدة أنْ نستشرف الملامح العامة للديوان كله , والملمح الغالب على الديوان هو القصيدة الرومانتيكة الحالمة البعيدة عن المفردات المعقدة , والرؤي الفلسفية الموغلة في التشاؤم والضبابية , وما أجمل أنْ يرجع عشاق الشعر للشعر فيبساطته و براءته و عفويته و بساطته , وإذا كنا نشكو مِن انصراف الجمهور عَنْ الشعر وإدبار الشعب عن القصيدة , فعلينا أنْ نبحث  عن أسباب ذلك , ونرجع للاحتفاء بالقصيدة التي تتحلّى بالموسيقي , وتتجمل بالحلم , وتتزين بالكلمة البسيطة الدالة الموحية ,وتتوشي بالاقتراب منْ قارئ عربي بسيط في أحلامِه , لا يتطلع إلي أبعد من حدودالكفاف , ولكن قلبه يملأ الأفق حبا , وروحه تناطح السماء عشقا , وعقله يتسع للكونفكرآ , وعنوان " نويت الرحيل ... غدا " دالٌ على عدم الرضا بالواقعالمعاش كما أنّه دالٌ على كراهية الشاعر للرحيل فلو لم يكن الشاعر كارها للرحيل وغير راغب فيه لما قال " غدا " ولعجّل بالرحيل  " الآن  " الآن و  ليس غدا , والشاعر مهمومٌ في قصيدته الأولي و فيكل قصائد الديوان بقضية الشعر والقصيدة  والشاعروأهمية أنْ يطلق الشاعر صرخته / القصيدة التي هي حلمه ، وأهمية أنْ يجد الشاعرمستمعا لحلمه و صدي لصوته , و أثرأ لندائه و صرخته
يقول الشاعر عبد الناصر الجوهري : 

 حِيْنَ تغفلُ عينُ الندي
 هل سَأُسْمِعُ صوتي لِسِرْبِ المواجعِ إنْ شرَّدا ؟
 هل أذيع بقاياهسيسي على السوسنات سدي ؟
تولد اليوم بين ثنايا التفاعيل ..
صفصافةٌ تتدلَّي بسطح النهيرات ...
تهدي لمن يهتدي
 هل سيهدأ قلبي المعاند لو غردا ؟
 ربما أتظاهرُ بالغبطةِ الآنَ
حينَ يقابلُ ظلي الصبا المنشدا  "  
1
فالشَّاعر  يخشي أنْ تغيب " عين الندي " التي هي عين للمحال ، وعلامة للانسجام ،  و بادئة للخصب والخير فإذا غابتْ هذه الحالةالجمالية يكون السؤال مشروعا ؛ هل سيكون بمقدور الشاعر أنْ يُسْمِعَ قصيدتَه / صوتَه/ حلمه / أغنيته لجماعة موجوعة ومهمومة مثله مشاركة إياه في آلامه وأحلامه "سرب المواجع " يترنح الشاعر حائرا في متاهة الأسئلة " هل أذيع بقايا هسيسي على السوسنات سدي ؟ " ولكن الشاعر متمسك بالأمل يؤكد تجدد ميلاد القصيدة رغم واقع مجدب غير منتج ولا يتأتي منه الخصب والتخصيب وإن زها فإنما هو زهو شكلي ,وازدهار سطحي لا ثمار له 

" تُولَدُ اليومَ بيْنَ ثنايا التفاعيل ...
صَفْصَافَةٌ تَتدلَّي بسطحِ النهيرات " 
2
القصيدة هي التي يتجدد ميلادها بين ثنايا التفاعيل ولكنّهاقصيدة  / صفصافة  ! والصفصافة شجرة سريعة النمو , جميلة المنظر ,أوراقها شديدة الخضرة , ولكنها للأسف شجرة لا ثمار لها , وهذا أحد هموم الشاعر فيمجتمعه , وحزنه الكبير على قصيدته أو القصيدة بشكل عام التي تولد و تكبر و تزهر و تزدهي ونري جمالها , ولكن للأسف لا نجد ثمارالهذه القصيدة التي شبهها الشاعر بشجرة صفصاف متدلية على سطح أنهار صغيرة أو مجاري مياه صغيرة ،  و لا تفوتنا قطعا الدلالةالحزينة لتعبير " صفصافة تتدلي " والتي اختارها الشاعر بعناية شديدة أواصطفاها له عقله الباطن لتوحي الصورة لنا بصورة محكوم عليه بالإعدام تتدلي رقبتهمن حبل المشنقة , أو لتوحي بسهولة قطع الصفصافة و تصفية جسد القصيدة في مجتمع لميعد يؤمن بالشعر إلا قليلا , ولم يعد يحتفي بالشعراء إلا نادرا , و أمام هذهالحالة من الأمل و الألم , الخضرة و القتل , الميلاد و التدلي على السطح يحاورالشاعر ذاته ويسأل : " هل سيهدأ قلبي المعاند لو غردا "  هل ستتحق السكينة وينمو الهدوء في قلب الشاعر بمجردإنشاده لقصيدته وغنائه لحلمه  أم أنالطمأنينة تحتاج إلي شروط أخري غير مجرد الغناء ؟
ولا يركن الشاعر للمجاز كثيرا فسرعان ما يترك الشاعر التلميحملتجئا  للتصريح و يغادر المجاز و الرمزليسكن في فضاء الوضوح والخطاب المباشر الصريح فها هو يخاطب القصيدة حبيبته ومعشوقته ومرآة ذاته قائلا  :

 "  افرحي يا شطوط القصيدة
إنني أشيد رابية للخلاص , إذا ما الموات بدا
 افرحي يا قلوب النساء اللواتي شطبن مواجيد عزفي
فإني نويْتُ الرحيلَ غَدًا
 افرحي يا حقولَ البلاد ...
ريثما أقرضُ الشِّعْر
 فالشِّعْرُ عاودَمِن حَدْسِه ماردا "  3
 والشاعر هنا جعل من القصيدة بحرا أو نهرا أو محيطا له شطوط وحدود وعلامات و خاطب هذه الشطوط طالبامنها الفرح لأنه  وهو  الشاعر – يبني برجا أو يشيد قصرا أو يبدع نصأيتحقق من خلاله الخلاص وإذا كانت البروج و القصور و الروابي تحقق خلاصا بدنياوتنتج سلامة جسدية فإن الكلمات البديعة والحروف الملهمة تحقق الخلاص الروحي و تؤديإلي السلام النفسي والطمأنينة الكاملة , كما أن الشاعر في النص يتوجه بخطابه إلي قلوب النساء و قلب المرأة هو التجلي الكامل للقصيدة الكاملة فلا قصيدة كاملة بدون أنثي حقيقية مرهفة الحس مشتعلة الحواس فوارة الأحساسيس  ؛ ورغم أنّ الشاعر ينبئ قلوب النساء برحيله أوبنيته في الرحيل إلا أنها نيةٌ غير مرغوب في تنفيذها و يتلكأ الشاعر فيؤجل الرحيل من اللحظة الراهنة ويرهنه بغد غير معروف , إنه شاعر صياد للجمال , لا يمكن أن يغادر قلوب النساء أو أن يهجر شطوط القصيدة إلي أية بقعة أخري سواها , والشاعريعلن بكل قوة وحماس تمسكه بالشعر ورهانه على القصيدة فالشعر " عاود من حدسه ماردا  " رغم كل المرارات والهزائم التي حلت بالقصيدة أو نزلت بساحة الوطن أو كسرت حلم الفؤاد – إلا أن الشعر / الحلم القروي ، الثورة  / النصر سيعاود الرجوع بقوة الفارس الماردالمنتصر .  
والشاعر " عبد الناصر الجوهري  "  مهموم في ديوانه " ماذا الآن أسمِّيكِ " بهمِّ الشِّعر ومفتون بغواية القصيدة  ، وهائمٌ في حضرة الحرف و باحثٌ عن مستقبلالكلمة و مسافرٌ عبر براق السطور , وساكنٌ في قصور الأناشيد وسابحٌ في بحارالأغاني و راكضٌ في رمال الكلام وساهرٌ عاشقا لا ينام , ويمكننا أنْ نكتشف ذلكبسهولة إذا رصدنا الكلمات والمفردات المرتبطة بالشعر والقصيدة والكلمة والأغنيةوالنشيد في قصيدة واحدة هي قصيدة " هل عاد سرب اليمامات ؟ " 4 ،  ففي هذه القصيدة نقرأ الكلمات الأتية : "وهذه الأغنيات الحروف – عظم القصيدة – قافلة للغات – قوافي اغتراب – فصول الشتاتجندل للخيالات – أحصنة للمجاز – النهايات – للأراجيز ما قد حوته المراثي الأراجيز –المراثي زفرة – اللحون – عشق الحكايات – للقريحة – صدي الإشارات – المفردات –اسقني يا " قريض " – امزج الشعر بالوصل – الأهازيج – بحور – الهوي – متنالخرافات – تهجي – الكنايات –  " 5  ، و واضح من القصيدة – ومن الديوان كله  احتراق قلب الشاعر على مستقبل القصيدة العربية فهوحالم بقصيدة خاصة لها صورة محددة مرسومة في فؤاده , إنها القصيدة الحالمةالرومانتيكية , البسيطة غير المعقدة , القريبة من القلب القريبة من الناس التيتوحد المسافة الفاصلة بين الشاعر وجماهيره  ، وتزيل العزلة المتوهمة بينهما , إنها القصيدةالمنضبطة الإيقاع , التي يقف بها الشاعر منشدا لأهله ومغنيا للناس , ومتابعالأحداث وطنه في الأفراح والأتراح واليسر والعسر والمنشط والمكره والحرب والسلام ,واليقظة والمنام هذه هي القصيدة  / الحلم التي يريد إحياءها الشاعر  " عبدالناصر الجوهري  " ويريد بقاءها و استمرارهاو لكنه ممزق في رؤاه وأفكاره حسب رؤيته لمأساة القصيدة العربية الحديثة ودخولها في متاهات الغموض والإبهام والعتمة والسوداوية والتعقيد اللفظي , والضبابية الفكرية ,والنثرية الخارجة عن الإيقاع الحبيب للنفس العربية الشاعرة بفطرتها .
ولا يخفي على القارئ المحب للشعر أنّ " سرب اليمامات  " الذي يسأل الشاعر عن عودته " هل عاد سرب اليمامات ؟ " إنما هو سرب القصائد الجميلة الراقصةالطائره في السماء , ويصور الشاعر ذاته بين جماعتين جماعة أتتْ به إلي معقل و ساحةالأغاني وعلمته وصايا الحروف وأرضعته أسباب عشق الشعر ومهدت  له طريق الأماني وسهلت  له مسارات الأحلام ،  و جماعة سارتْ فوق عظام القصيدة وعفصتْ القصيدةالجميلة بأقدامها , ولم تبالِ ولم تنظر تحت أقدامها حيث نبتت زهرة من الرفات و اخضرتقصيدة من العدم و بعثت كلمة من موت أليم .
و الشاعر " عبد الناصر الجوهري "  يصوّرهذه الحالة بشكل بديع قائلا : 

"  الذين أتوا بي إلي وهدة الأغنياتْ
 لقنوني وصاياالحروف
أناخوا لي الأمنياتْ
 والذين مضوا فوق عظم القصيدة ...
لم ينظروا – تحت أقدامهم –
ليروا زهرة نبتت بالرفاتْ " 6

والشاعر يريد الاستمرار في سيره مع درب القصيدة ، و معقافلة اللغات منحازا لقصيدة المحبة وعاشقا لقصيدة تزينها الأنثي / ليلي ؛ مؤمنا أنالقصائد شموس ،  واعيا أن الشاعر هو الفارسالوحيد في حلبة اللغة و ميدان الكلمات يقول الشاعر عبد الناصر الجوهري :

" يا فتي
بدنان المحبة .. هاتْ
 واسقني دفء ليلي
و لا تترك اليوم قافلة للغاتْ
 و اسرج الخيل... والذكرياتْ
فالشموس التي نزحت من قوافي اغتراب
 ستفرش نهرا يضم فصول الشتاتْ
 اسقني
الأسارير تقتسم الطمي في جندل للخيالاتْ
 إنها تترك العشب في ذعره
وتهيئ نارا لكي تستثير الفراشاتْ " 7
إن جمال النص الشعري وصدق الشاعر في قضيته , وألمها لفاضح مع معشوقته القصيدة يغري القارئ بالاستمرار في القصيدة كما يغريني بالطولوالاستطراد في الاستشهاد من نصوص الشاعر , والشاعر يصرخ أنينا أن " اللحون" - وهي مفردة تدل على قمة الموسيقي الشعرية وأعلى نقطة في سماء القصيدةالموزونة المطربة  -  لم تدع الشاعر المعاصر في حفل موسيقاها و في فرحطربها بل ولم تتركه يعيش حالة للحكايات والقصص بالطريقة التي يريدها و يحبها :

 " اسقني
لا دعتني اللحون لأعراسها ذات يوم
 ولا تركتني أعاود عشق الحكايات
 اسقني
 للقريحة ماللبلاد من العيش
حيث اللجوء لأخبية للفتات "8
وهنا يدمج الشاعر همَّه الخاص بالهم العام ؛ فمشاكل الشاعر وهمومه مع القصيدة هي نفسها آلام ومشاكل وهموم البلاد وحالة العيش فيها حيثالكل يلجأ مضطرا للرضا بالفتات  ، و السكون في خيام ممزقة بها القليل القليل من خيرات الوطن المسروق والمنهوب والمستباح . ولايمكن أن نتجاهل ذكاء الشاعر في استحضاره لمفردة " العيش " القريبة مناللهجة العامية المصرية  , إنه بهذا يجعلالكلمات تعيش وتمشي وتأكل وتشرب مع ملايين الشعب البسيط والمنهك الباحث عن "لقمة العيش " !! وليس انشغال الشاعر بالشعر وهم القصيدة و قضية الكلمة والفكروالجمال مقصورا على هذه القصيدة بل هو هم منتشر في الديوان كله وهناك قصائد كاملةاتخذت من الشعر والكلمة والقصيدة والحرف عنوانا لها مثل قصائد : " الشعر حجاج يا ولدي – مقاطع من جروح العزف – الشعر ليس لمثلنا – برأ الشعر ساحي – اتركوا حطام القصيدة – ماذا جني الناظمون – ومضات " بل إن الشاعر سمي القصيدة بأسماء طيورفهي اليمامات وهي النوارس القادمة وهي عصفورتي الحرة .

وفي قصيدة " ماذا أبقي جرح هيامك " يخاطب الشاعر " أنثي " تحمل تجربة مؤلمة مشتركة مع الشاعر وقد تكون الأنثي في هذه القصيدة أنثي حقيقية تعلّق بها قلب الشاعر عشقا فألما , عشقا خفيا فألما ظاهرا، وقد تكون الأنثي في هذه القصيدة قناع لقصيدة متوهمة تريد إغواء الشاعر بكتابتهاو الشاعر لا يريد أن يكتب هذه القصيدة وفق شروطها المغوية هو يريد أنْ يكتب قصيدتهحرة طليقة بلا شروط مسبقة ولذا يخاطبها الشاعر قائلا : 

" أنتِ بكل بهائكِ ... لن تحتلي سهل معلقتي
 لن تختاري لقصيدي ... سجانه
أيتها الشيطانةْ 
كفي عن غرس البين بحقلي
 وحقول الشجوالسهرانة
 إني قرويٌّ مثلك...
 قتلته طيوفٌ أهواءٌ أخبارٌ
والغربة تطوي حرمانه
....
 إني - يا مسكينةُ-
 كنتُ أفتش عن أفكار بكر تحشو أشعاري
أما أفخاذك أتركها خلفي تتفتت عريانةْْ
 أيتها الشيطانةْ
إني عزاف للأقمار
و كنتُ أفتش عن ريحانةْ  " 9

وإقرار الشاعر هنا بأنه قروي تأكيد على براءته ونقائه و أنهلم يتلوث بمستجدات العصر كما تلوثتْ أشياء كثيرة و مخاطبة الشاعر للأنثي أوالقصيدة بأنها قروية رجاء ورغبة ملحة في أنْ تعود الأنثي القصيدة إلي الحالةالأولي التي وُلِدَتْ عليها حلما نقيا صافيا غير ملوث ولكن هل يمكن أنْ تعودالأنثي القصيدة سيرتها الأولي ؟
ويحلم الشاعر في قصيدة " غدا أهيئ المني " 10 بحبيبةتفتش في دفتر قصائده القديمة وتنهل منها شربا و زادا لكأن الشعر حياة كاملة يغنيالإنسان عن البحث عن الطعام والشراب المعتاد للناس جميعا , والشاعر يدرك في لاوعيه أن هذا مجرد حلم لذا فهو في نهاية القصيدة يعد الحبيبة الغائبة بأنها إذا جاءتسيجعل كل أوقاتها شعرا وسيبني لها من القصائد حدائق وبساتين ومنزلا يقول الشاعر "عبد الناصر الجوهري "  :

" سأشهد الأقمار والأيام والأفياء والأعشاب والأطيار والجندلْ
غدا لها سأجعل الأشعار بستانا ومنزلْ
غدا أهيئ المني
إن المني أجملْ " 11
    ومن أكثر قصائد الديوان عذوبة ورقة وسلاسة تلك القصيدة التي حمل الديوان اسمها وهي " ماذا – الأن – أسمِّيكِ " وهي قصيدةكافية بمفردها للكشف عن شاعر موهوب مطبوع يصدر منه الشعر سهلا بلا تكلف ولا تصنع ولا ادعاء , وحقيقة الشعر هي في وروده كماء جارٍ في نهر عذب بعيدا عن التكلف والغلظة, وبعيدا عن الجفاف والتعقيد , وما أسهل أن يعرف القارئ أن الشاعر بخاطب القصيدةمعشوقته قائلا لها : " ماذا الآن أُسمِّيكِ؟ " بعد ما رأي أن لها أشكالاعديدة وتجليات متنوعة وصور متباينة وهي بتغيرها واختلافها وتباينها مدعاة للحيرةوالشك وعدم الاتفاق على اسم واحد من اسمائها العديدة الكثيرة ..
يقول الشاعر " عبد الناصر الجوهري "  :

"أبدلني الله حدائق شعر .. لا تعنيكِ
ألهمني أن أختصر حروفك
 وأذيع أقاصص الشوق
وأن أرويك
 ألهمني قافية قد فاقت رنة حاديكِ
ألهمني إطنابا أخيلة
تنبت في واديكِ
 ماذا الأن أسميك ؟ " 12
ويقول في موضع آخر من القصيدة :
"لا قلبَ سواي سيطويكِ
 فتفاعيلي أزجت للأنهار الوسنانة حنَّاء مسافاتي
من أي الأبعاد أناديكِ؟
 ذوبي في صحرائي
و دعي عشبي في وادي " عبقر" يُنسيكِ " 13

والشاعرالجوهري يريد الشعر حرا ويريد القصيدة عصفورة طليقة غير مقيدة ولا محبوسة لا بعرفولا بقانون ولا بأطر أدبية كاذبة تحجر على الفن وتقيد الإبداع وهذا ما أعلنهالشاعر في قصيدته " عصفورتي حرة " وعصفورته هي قصيدته ، ولا شك  ، و في بداية القصيدة يعلن الشاعر أسفه لتدني موقع الشاعر بين أهله و نزول منزلته في وطنه لدرجة أنه يري الدجالين والمشعوذين في منزلة أعلى من مكانة الشاعر :
 " لو كنتُ دجَّالًا
أزوِّج كوكب المريخ للزّهرةْ
 لو كنت أفرط في الأحاجي
أقرأالكف النجوم
أهيئ الأرواح في الحضْرةْ
 أبدا لما ماتت لنا فكرةْ " 14
ويضطرالشاعر إلي الرجوع للتاريخ مستشهدا به لابسا ثوب " أبي العلاء المعري  " متخذا منه رمزا للشاعر في وطنه , ومتسترا به كما لو كان المعري قناعا لوجه الشاعر المعاصر يقول " عبد الناصر الجوهري "في جو مشحون بالأسي والحزن والندم :

"  قد لا يموت العزف في وطني
 وأزهو لو أموت كعازفٍ مره
 أبو العلاء أراه في الأسواق
تنكره (المعرَّه)
لا تحبسوا الأصداء في أقفاصها
عصفورتي حرَّةْ
عصفورتي حرة " 15 

هذه هي خلاصة تجربة الشاعر وحكمته ألا نحبس أصداء النفس والروح في جسد البدن وأن نطلق القصيدة من سجنها حرة عصفورة مغردة حالمة طائرة مسكنها الكون والشاعر المسكون بهمالشعر وحلم القصيدة لا يخجل من إعلانه خوفه على مستقبل الشعر ويعلن فزعه من احتمالأن ينكسر الناي " أو يتم كسره فإذا تم كسر الناي وحكم على القصيدة بالموت فإنهذا معناه أننا سنعيش في مجتمع جاف جاحد لا يرحم غول مادي بشع يبتلع من رأه يقول الشاعر : 

"لن أشرب هذا الشايْ  
قد طلعتْ عينايْ
وعصافيري رحلتْ
 في قافلة التفعيلات
 لتبحثَ عن منفايْ
مازالتْ تهرب ليلا
 تعبر من برزخ دلتايْ
 ماذا أفعل ياحزني
لوكسروا النايْ "  16 

 ومن قصائد الديوان المرتبطة بقضية الشعر و هَمِّ القصيدة وحلم الشاعر قصيدة " الشعر حجاج يا ولدي " ولا أعرف هل الصواب أنْ أقول الشعر " حِجَاجٌ "  أمالشعر " حَجَّاجٌ " ولم يظهر في القصيدة ما يرجح أحد الاحتمالين كما أن القصيدة بدأتْ بعبارة " يا خالد " ولم أتبين من النص ذاته من المقصود (بخالد) ؟ هل هو خالد بن الوليد ؟ أم إن كلمة
"خالد " المقصود بها اسم فاعل مجرد  دال على الخلود والبقاء فقط ؟ فإن كان الأول فلم تظهر القصيدة أي ارتباط بين الشعر و بين خالد بن الوليد ؟ يقول الشاعر:

"يا خالدْ
حين تمرقوافل شدوي
 لا تعقر منها الشاردْ
وإذاماجت في الليل تفاعيلي
 لا تطعن ذاك الماردْ " 17

ويحتمل أنْ يكون الشاعر قد وجّه خطابه لابنه خالد باعتياره امتدادًا له .
وتستمرمعاناة الشاعر مع الشعر واندماجه أو اتحاده مع هَمِّ الشعراء فهو يوقن أنَّ الوطن ليس وطنه بسبب عشقه للشعر و دفاعه عن قضاياه – قضايا الوطن وقضايا الشعر معا – بماأنَّ الشاعر باحث عن الجمال وحالم به وساعٍ لبناء المدينه الفاضلة و وطن السعادةالمثالية ولكنه يعترف بأن القصائد تنزف يقول " عبد الناصر الجوهري  " :
"الدارُ ليستْ دارَنا
والطيرُأعياه البقاءُ
 لا تستحي أسرابنا من حشرجات النزف
 فالأشعار أنهرها الدماءُ ...
لا شِعْر.. لا شعراءُ
 والقمرُ المراوغُ في قصائدِهم ..
محاقٌ ,وافتراءُ " 18
 لقد تحول كل شئ إلي زيف وخداع فالوطن لم يعدوطنا للشعراء الحالمين بل هو وطن لرجال الأعمال وسيدات المساء والنصابين والأدعياء، والقصائد صارت ساحة للدم والقمر في الواقع ظلم وظلمة وكذب وافتراء وبسبب المغالاة في الخطابة الشعرية والطنطنة اللفظية أصبح المواطنون يخافون من الشعراء وصارت بقايا الوطن تخاف من بقايا الشعراء
 " من نفس ثرثرة الخطابة والمجاز ...
 تخافهم أوطانهم
 ويخافهم صبح وليدٌ والمساءُ " 19
وبسبب هيام الشاعر بالقصيدة وشغفه عشقا بها يحتار في أي الأسماء يختار لها فيجعل عنوان القصيدة بل عنوان الديوان كله " ماذا الآن أسمِّيكِ " 20
يقول الشاعر : 

"أبدلني الله حدائق شعر
 لا تعنيكِ
ألهمني أن أختصر حروفكِ
و أذيع أقاصيص الشوق ... " 21

فالشَّاعرُ يسْردُ هبات الله وعطاياه له وهي عطايا لا حدود لها ورغم ذلك فهو لا يستطيع الاستقرار على اسم واحد للقصيدة التي يعشقها وذلك بسبب اختلاف صورة القصيدة في ذهن الشاعر عن حال القصيدة في واقع مؤلم يعيشه الشاعر .
                             
 ............................................................................................................................................                                    

هوامش
1 -  ديوان" ماذا الآن أسميك " للشاعر عبد الناصر الجوهري  ،شعر فصحى ،  سلسلة أدب الجماهير  ، الطبعة الأولى 2008 م ، رقم الإيداع بدارالكتب المصرية 22321 / 2008  ص 6
2 -  ديوان" ماذا الآن أسميك " للشاعر عبد الناصر الجوهري  ص 5
3 - ديوان " ماذا الآن أسميك " للشاعر عبدالناصر الجوهري  ص7
4 - ديوان " ماذا الآن أسميك " للشاعر عبدالناصر الجوهري  ص8
5 - ديوان " ماذا الآن أسميك " للشاعر عبدالناصر الجوهري  ص 8 : 12
6 - ديوان " ماذا الآن أسميك " للشاعر عبدالناصر الجوهري  ص8
7 - ديوان " ماذا الآن أسميك " للشاعر عبدالناصر الجوهري  ص9
8 - ديوان " ماذا الآن أسميك " للشاعر عبدالناصر الجوهري  ص9
9 - ديوان " ماذا الآن أسميك " للشاعر عبدالناصر الجوهري  ص 16,15
10 - ديوان " ماذا الآن أسميك " للشاعر عبدالناصر الجوهري  ص17
11 - ديوان " ماذا الآن أسميك " للشاعر عبدالناصر الجوهري  ص19 
12 - ديوان " ماذا الآن أسميك " للشاعر عبدالناصر الجوهري  ص20
 13 - ديوان" ماذا الآن أسميك " للشاعر عبد الناصر الجوهري  ص21
14 - ديوان " ماذا الآن أسميك " للشاعر عبدالناصر الجوهري  ص30
15 - ديوان " ماذا الآن أسميك " للشاعر عبدالناصر الجوهري  ص32
 16 - ديوان" ماذا الآن أسميك " للشاعر عبد الناصر الجوهري  ص36
17 - ديوان " ماذاالآن أسميك " للشاعر عبد الناصر الجوهري ص37
18 - ديوان " ماذاالآن أسميك " للشاعر عبد الناصر الجوهري ص40
19 - - ديوان " ماذاالآن أسميك " للشاعر عبد الناصر الجوهري ص40
20-   ديوان" ماذا الآن أسميك " للشاعر عبد الناصر الجوهري  ص20
21 - ديوان " ماذا الآن أسميك " للشاعر عبدالناصر الجوهري  ص20



التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.